حروب، وتساهم هو وإياهم غمرات كروب، وإليه الحواطيون شرفاء فاس، والكريون، وبنو فنون جلّة كومية، وأشهرهم في القديم جنون بن أبي العيش، عيسى بن جنون بن محمد بن القاسم صاحب بصرة المغرب (١)، وكان له خمسة وعشرون ذكرًا، منهم: الحسن الأعور، وادعى النبوة في بلاد البربر، وعظم أمره فيهم، وذكر ابن حبان (٢) وقائعه مع عسكر المستنصر (٣) الأموي، حتى امتنع بحصن الكرم، وبويع المستنصر، ثم آل الأمر إلى أنه وَفَدَ على المستنصر طائعًا بقرطبة، واحتفل له المستنصر، وتلقاه، وجلس له، وأنشدت الشعراء، ومنهم ابن شخيص (٤) وقال:
أميَّة قد عادت بنو حَسَن … لكم كما كان فيما قد مضى حين سلموا
فعودوا عليهم بالذي قد تعودوا … من الحلم والرحمي فذلك أكرم
قال: وكان معه جمع من الحسنيين فيهم صبي لم يبلغ الحلم، فلما رأى ما عوملوا به من الإكرام، بكى، فقال له بعض أقاربه: ما يبكيك وأنت ترى هذه النعم؟ فقال: النقم في عزّنا حيث كنا خير من هذه النعم في ذلنا لبني أمية.
قال: وافترقت الأدارسة فرقتين، فالمحمديون من ولد محمد بن إدريس المثنى مالوا إلى ابن عمهم المهدي عبيد الله بإفريقية، والعمريون من ولد عمر بن إدريس مالوا إلى الناصر الأموي. وكتب إليه رئيسهم كتابًا قال فيه:
وقد أنعم الله علينا يا أمير المؤمنين بأن صرف همتك إلى ناحيتنا، ووكل عزمك بعدوتنا، ولقد كنا نتمنى ذلك ونستطيبه منك إلى أن تمم الله عزمك ويسرك إلى توفيقه مما نرجوا أن نرتقي فيه بك إلى أفضل المحطّ (٥)، وأشرف المنازل، وقال فيه: إن
(١) بصرة المغرب: في أقصاه كانت مدينة عامرة بينها وبين فاس أربعة أيام: انظر (ياقوت - بصرة). (٢) ابن حبان، أبو مروان حيان بن خلف بن حسين بن حبان، ويشير هنا إلى كتابه: المقتبس. (٣) المستنصر: الحكم بن عبد الرحمن الناصر الأموي، ولي الخلافة بالأندلس بعد أبيه سنة ٣٥٠ غزا ملك الأسبان أردون بن الفونس (وكان قد أراد الإغارة على قرطبة) فعاقده على الصلح شرط أن يهدم حصونه القريبة من ثغور المسلمين، توفي سنة ٣٦٦ هـ. انظر: الكامل ٧/ ٨٣ المغرب ١/ ١٨٦ وجذوة المقتبس ص ١٣. (٤) ابن شخيص: هو محمد بن مطرف بن شخيص، أبو عبد الله، أديب شاعر أندلسي، مات قبل الأربعمائة، انظر جذوة المقتبس ص ٩١. (٥) في الأصل: المحطط.