وأمسك بطرف ردائه وجبده، ومنّى نَفْسَهُ بالعراق وشمّر لها أصبعه، وفَغَرَ لها فاه، وحرش سبعه، وسل لها عزمه من حدّ باتكه (١)، وأعمل فيها خدعة ناسكة لا فاتكة، حتى لولا ميل المقادير، وأن كلّ بتقدير، لأطاحها عن بني العباس وأبتزهها، وألبسهم ذلها ولبس عزّها، وخطب له بالخلافة في أول خلافة المستعين (٢) سنة خمس (٣) ومائتين بالري والديلم، وكان مهابًا عظيم الخلق، عطس يومًا عطسة ففزع رَجُل وهو في المنارة قائم يؤذن فيها، فوقع منها فمات، وكان أقوى البغال لا تحمله أكثر من فرسخين.
وغيل (٤) في آخر عمره بدنه، حتى كان يشق بطنه ويخرج منه الشحم ثم يخاط.
وكان أول أمره بالعراق في ضيق حال، وكان كثيرًا ما يسأل عن البلاد الممتنعة الوعرة التي أهلها أهل سلامة وقبول لما يدعون إليه، فَدُلَّ على بلاد الديلم وطبرستان، فأتاها، وفيها قوم لم يكونوا أسلموا، فأسلموا على يده وتمذهبوا بمذهبه، حتى أسس التشيع هناك، وكان جوادًا ممدحًا، له شعر فائق فمنه قوله:[من الوافر]
ومانثر المشيب علي إلا … مباشرة السيوف لذا الصفوف
فأنت إذا رأيت علي شيئًا … فمكتسب بألوان السيوف (٥)
وله فطنة مليحة في الانتقاد على الشعراء.
وحكي، أن رجلا من بني أمية أتى إليه، وهو في مجلسه، فسأله عن نسبه فقال له: أجل من بني أمية، فقال رجل من أهل المجلس: لا أهلًا بك ولا بمن أنت منهم، ثم لم يبق أحَدٌ حتى أخَذَ في سبه وسبّ بني أمية، وقال رجل: دعني وإياه فلأضرب عنقه، فقال الداعي إلى الحق: لبئس الجلساء أنتم، ثم التفت إلى القائل وقال: دعني وإياه، وقال له: يا هذا أتظنك بقتله تدرك ثأر مَنْ سَلَفَ لا والله لا على هذا ولا علينا مما شَجَرَ بين أولئك، ثم قال للأموي: أيها الرجل ماذا تريد؟ فقال: وفاء ديني وكفاف أهلي، فقال: حبًّا وكرامة، كم دينك وكم كفاف أهلك؟ فقال:
(١) الباتكة: القاطعة. (٢) المستعين، أبو العباس أحمد بن محمد بن المعتصم العباسي، ولي الخلافة سنة ٢٤٨ هـ وخلع وقتل سنة ٢٥٢ هـ. انظر: تاريخ الطبري ٩/ ٥٦، و ٢٤٨ و ٣٦٢. (٣) كذا في الأصل، والصواب: خمسين. (٤) غيل: فسد. (٥) في الأصل: من ألوان.