سنين كثيرة لمرور الحاج فيها بمواضع مشهورة بالعطب، منها العقبة والسوداء ووادي العظام وأرض الفحلتين، وهو المذكور في شعر الشعراء بالأبرقين، وقد تأتي في مضائقة سيول إن لم يتحرّز منها بالنزول في سفوح الجبال والأنشاز العالية. وإلا ما يؤمن أن تبادرهم بوادِرُه، وتحتجفَهُم سيوله، فأما إذا كان القيظ، مَنَعَتْهُمُ الجبال أن يستروحوا بنسيم، وتَقَدَّحَتْ رِمالُهُ وأحجار الصوّان به نارًا تتوقد، وهَبَّت من فجاجه ريح السموم، فنشَفَتْ القُرب وأهلكت الناس والإبل، وقد ذكرنا هذا الموضع، الفائدة منه، فإذا وصل الركب إلى عيون حمزة تأهّب لدخول المدينة الشريفة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، وهناك يتمتع الزائر بطيب الملتقى، ويبل شوقه بمكان طالما علل القلب عنه بذكر العذيب والنقا، ويقيم الركب على المدينة الشريفة ما يقدّر له، ثم يرحل إلى ذي الحليفة، ويسمّيه عامة الحاج بئر علي، وهو ميقات الحج المديني. ومَنْ مَرّ على المدينة وهو على مرحلة منها، و به آبار كثيرة، وبإزاء وادي العقيق، ومنه يُحرم الحاج ويهلون بالتلبية، ثم يرحل إلى الصفراء، ويأخذ إليها في ثلاث مراحل، ثم يشق هذا الوادي إلى بدر، يأخذه في مرحلةٍ واحدةٍ، ثم تلاقي الطريق المصرية، وليس فيما ذكرناه ماء إلا نابع، ومواضع مياه الأمطار توجد في أماكن، ولكنها قليلة، ومما استجد بين ذي الحليفة والصفراء بئر في راس وادي بني سالم استجده رجل يعرف بابن الداية، وأما ما يرده النفر القليل فلا يخلو منه قنن الجبال وشعابها، ثم يرجع الركب الشامي في العود آخذًا على طريقه هذه إلى المدينة الشريفة، فيمتاز على سائر الركبان بالزيارة مرتين، وتجديد العهد بمسجده وبه في التوجه والعود، ثم يأخذ على طريقه إلى الحسا فإذا أتاها رحل منها إلى زيزاء، وأخَذَ إليها في مرحلتين، ثم يرحل إلى الزرقاء، ويأخذ إليها في مرحلتين، ثم يرحل فيأخذ إلى دمشق في ثلاث مراحل أو أربع، ولا يُعرّج فيها إلى بصرى ولا إلى زرع، بل إما يأخذ يسارًا على أذرعات أو يمينًا في الطريق الوسطي على سحا.
فهذه هي طريق الشامي بمسافاته ومياهه المورودة ومسالكه في التوجه والعود.
وأما طريق [الركب] العراقي إلى مكة المعظمة، فاعلم أنه يخرج الركب من بغداد إلى صرصر مرحلة واحدة، ثم يرحل إلى فراشة، ويأخذ إليها في مرحلتين، ويرحل إلى شط النيل، ويأخذ إليه في مرحلة، ويرحل إلى الحلة، ويأخذ إليها في مرحلة ويرحل إلى بئر سلامة، ويأخذ إليها في مرحلة، ويرحل إلى الكوفة ويأخذ إليها في مرحلتين، ويقيم فيها حتى يتكامل الناس، فإن الحاج يخرجون إلى الكوفة جماعات ومثنى وفرادى، وفيها تجتمع رفقتهم، وتلتئم فرقتهم، وجميع ما بين بغداد والكوفة قرى عامرة، ومياه متصلة، وأسواق قائمة، وخيرات وافرة. ثم يرحل الركب من الكوفة، فمنهم من ينزل مشهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وهو عن الكوفة دون المرحلة، وإنما ينزل به مَنْ ينزل للتبريز إليه استظهارًا على السفر، أو لقصد زيارة