وإذ قد تكلمنا على الطرق، فنحن نذكر الآن ما لا يستغنى عنه في هذا الباب وهو الطرق المسلوكة إلى مكة شرفها الله تعالى من الجهات التي لا تقصد مكة غالبًا إلا منها. وهي أربع جهات مصر ودمشق، وبغداد، وتعز. فإن المحامل السلطانية وجماهير الركبان لا تخرج إلا من هذه الأربعة البلاد. فأما المصري والدمشقي فهما ولله الحمد سبيل لا ينقطع في كل سنة، ويخرج الركب من كل مصر ودمشق بالمحمل السلطاني والسبيل المسبل للفقراء والضعفاء المنقطعين بالماء والزاد والأشربة والأدوية والعقاقير والدريقات والمعاجين والأطباء والكحالين والمجبرين والجرايحية في أكمل زي وأتم أبهة، وبالأعلام والكوسات السلطانية والأدلاء والأئمة والمؤذنين والأمناء ومُغَسلي الموتى والأمراء والجند والقاضي والشهود والدواوين، بطليعة وساقةٍ وضَوِية في أوائل الركب ووسطه وآخره، كل هذا ليسهل الطريق إلى بيت الله الحرام وزيارة النبي محمد ﷺ، وإذا نزلوا منزلًا أو رحلوا مرحلًا تُدق الكوسات وينفر النفير ليؤذن الناس بالرحيل والنزول، ويحصل بهذا الاستعداد والتأهب، فلا يعتاق أحد فيبقى عرضة لأن يؤذى أو يتخطف، ثم إذا سروا ليلًا أو ساروا نهارًا يمشي وراءهم من الجند من يحفظ ساقتهم من لصوص العرب وقطاع الطريق، ثم إذا نزلوا منزلًا، كانت الأمراء والجند على يقظة لمهاجم يُهاجم، أو مخالس يختلس، فإذا أمسوا دارت النقباء على الركب من خارجه بزفّةٍ تشتمل على أضواء كثيرة توقد في المناور، ويركب معها جندٌ على الخيل، ويمشي معها رجال بالسلاح وينادي بأعلام الركب أين نزلوا. وفي أرض من هم من العرب، ويوصيهم المنادي بالاحتراز، وبما يُستعد به لرحلتهم، وما يُصلحهم في ذلك المكان لأمر، سفرهم، فمن رأى ذلك من نظارة العرب هابه وعلم تيقط الركب لأمورهم. ورأى أهل الشوكة فيهم، فانكف طمعه وانقطع أمله، ومع هذا كله فإن ملوكنا أثابهم الله تعالى رتبوا لقبائل العربان في الطرق رسوما على خزائن مصر والشام تجهز في خزائن المحملين الشريفين المصري والشامي من الدراهم والقماش والخلع لشيوخهم وأكابرهم عادةً جارية لا تنقطع في كل سنة، فإذا نزلوا أرض قوم، خرجت مشايخهم لتلقي المحمل السلطاني وقبلت الأرض وعَقِبَ الصَّنجق (١) المنصور، ومشت في الخدمة السلطانية وأودع من أهليهم وذوي قرابتهم وأهل المراتب فيهم أناس في السلاسل، ووكّل بهم من يحفظهم، ويستمرون على هذا