إلى أن يخرجوا من أرضهم، فيطلق سراحهم، ويُخلع عليهم، وتوصل إليهم رُسُومُهم، وإنما يعمل هذا فيهم لاحتمال أن يؤخذ شيء للحاج فيطلبون به ويكونون رهائن عليه، فلا يستطيع أحد أن يتجاسر ولا يعترض الحاج بأذيّة، وربما تبع الحاج قوم من غير أرض أولئك القوم وسرقوا فيحتاج هؤلاء أن يتبعوهم ويستعيدوا منهم الأخيذة بعينها أو الثمن عنها، وجرى هذا غير مرة، وصار للحاج بهذا أمنٌ عظيم على أنفسهم وأموالهم. ولما ثبت الله تعالى قواعد هذه الدولة الشريفة الملكية الناصرية مد الله أيامها، وشد بأطناب المجرة خيامها، دانت لها الأمم، ووفدت العرب عليها من كل جهة وعادوا بالجوائز والأنعام، فزادوا رغبة في الوفود عليها، والورود إليها لتقبيل أعتابها، وتكحيل الجفون بتراب أبوابها، ورأوا من الصدقات العميمة ما أغناهم وكفاهم، وشاهدوا من مهابة هذه الدولة القاهرة ما منعهم وَوَزَعَهُم وسكن في قلوبهم من خوف سطواتها ما لا يخرج، واستقر في صدورهم من عظمتها ما لا يتزحزح، فصاروا يخرجون إلى الحجاج إذا حلوا في أرضهم ونزلوا ببلادهم متظاهرين نهارًا جهارًا بالماء والغنم واللبن والسمن والعسل والأقط والتمر والعلف والجمال للبيع والكراء وتقام الأسواق على كل منهل ماء، وفي كل مكان، والحجاج في غاية الطمأنينة والأمن والدعة، كأنهم قعود في بيوتهم في وسط مدينة ذات أسوار وأعلاق ومرافق وأسواق، بل أكثر أمنًا وأوسع رزقًا لتولي أهل تلك الأرض لحراستهم واستعدادهم طول السنة للبيع عليهم في ذلك الوقف المقدر المعلوم، فكثرت الرغبة في الحجّ، وتعهد تلك الأماكن الشريفة والأرض المطهرة.
هذا ما هو في الطريق، وأما أمراء مكة والمدينة المعظمتين، فإنهم اليوم مع سلطاننا كآحاد النواب له، وعمال مصر والشام له لدخولهم في الطاعة وانقيادهم إلى الخدمة، فإن خالف أحد منهم صُرِف وعُزِل وأمسك واعتقل. تتصرف فيهم المراسم المطاعة حسب ما تقتضيه آراؤها، وتنفذ به أوامرها، فتمت الراحة، وعظمت النعمة على الحاج. وأمنت مما كان يقام في أوقات الحج والزيارة من نوائر الفتن وثوائر الإحن، وأقيم الموسم على أكمل الوجوه المشروعة بالهدوء والسكون، والأمن الشامل، وهذا شيء لم يُعهد مثله فيما تقدّم بعد الصدر الأول من دول الخلفاء الأول قدس الله سرائرهم، ونحن نسأل الله المزيد، ودوام مسبّب هذه النعمة، وإمتاع الأمة برونق عصره السعيد.
وأما العراقي واليمني، فقد انقطع واردهما، وامتنع وافدهما، فأما العراقي فتأخر لاضطراب ملوك العراق واضطرار أهله إلى الشقاق، وعادوا إلى العادة الأولى، أنه لا يَحُجّ منهم إلا من جاء إلى دمشق وحج منها، وأما اليمني فأكثر من يجيء منه إنما يجيء في البحر، وأما من يجيء في البرّ فقليل ما هم لكثرة ما للعرب من المؤدى عليهم.
حكى لي ثقات منهم، أنه ينوب كل جمل يخرج من مدن اليمن مثل تعز أو زبيد حتى يصل إلى مكة المعظمة مائة درهم، سواء كان حاجًا أو تاجرًا أو معه شيء أو لا شيء معه،