للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الكبيرة إلى العُلَي، أحد مدن الحجاز، وبها ماء جار ونخل وزرع، ويأخذ إليها في اثنتي عشر مرحلة، وهذه هي المفازة الكبيرة المضروب بها المثل؛ لأنه لا يوجد فيها ماء إلا في بئر في وسط المفازة في مكان منه يُعرف بالوادي الأخيضر، وفم البئر ضيق حَرجٌ لا يحمل نصب المساقي لسقاة الحجيج، ولا يُعرَفُ هذا البئر إلا بالوادي، فيقال بئر وادي الأخيضر، واعتنى بعض التجار السلاميين بعمله وإصلاحه. وأما ما سوى هذا فهو مواجن الأمطار من برك عُمِلَتْ، وشعاب وقرارات أودية يُمسك فيها فواضل المطر، قد يوجد فيها وقد لا يوجد، والواثق بها مغترّ، ومن أشهرها بركة المعظم، أمر ببنائها الملك المعظم عيسى (١) بن العادل قدس الله روحه. ومسيل الصّاتي، وهو على يسرة المتوجّه إلى المدينة ومنه: الجنيب، وهو شعب جبل على يمنة المتوجّه، ومنه فويق، وهو مسجد الورود. وهو من عجائب الأرض، قصدته ووقَفْتُ عليه، وهو على يمنة المتوجه، يسلك إليه من الرأس المشجر المعروف بديسة الأثل، وصورته أن يصعد إليه من نقب جبل متسع حتى ينتهي فيه إلى رحبة فسيحة تظلّها قنة الجبل فيصعد فيه بدرج منحوتة في ذيل ذلك الجبل إلى أن يصعد إلى مكان نُقر في الجبل يكون سعته أربعمائة ذراع طولًا في ستين ذراعًا، وفي أثنائه مغارات منحوتة لا أعرف مقدارها، وقد قُني من الجيل إلى هذا النقر وما فيه من المغارات، وطُرِّقَتْ الطرق لمجاري الماء إليه، والذي أظنه أنه إذا امتلأ من مياه الأمطار يكفي أهل تهامة والحجاز سنةً كاملة، وَوَرَدْتُ أنا هذا الماء في توجهي إلى الحجاز سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة، وكان يتفوّق ملؤه ماءً، فإذا وصل الركب إلى المعلى أقام عليه يومين أو ثلاثة، وبه يودع الحجاج أزوادهم للعود. ثم يرحل الركب إلى هدية ويأخذ إليها في خمس مراحل، ويرد ماءها. وهو ماء رديء مملوح مبورق في سيل واد يجفّر به الجفار، وعليه منابت السنا، فمن شربه حصلت له قراقر وانطلق بطنه وربما أفرط ببعض شاربيه إفراطًا يحتاج معه إلى المعالجة بالمقبضات الممسكة وقد يكون صالحًا عند انكشاف السيول حتى يكون كبعض الأنهر الكبار، وربما غرق فيه بعض السنين غرقى لاغترار من ينزل فيه بأنه ينتهي إلى رمل وفي بعض مواضعه تخلخل يشبه تخلخل الشيخ، وهذا المكان في أعلى الوادي المؤدي إلى أكرى المقدم ذكره في الطريق المصري، ثم يرحل الركب إلى عيون حمزة ويأخُذ إليها في خمس مراحل، ويرد ماءها، وهذه المسافة ما بين هدية وعيون حمزة مسافة مشقّة خطرة هلك فيها الحجاج في


(١) الملك المعظم عيسى بن العادل أبي بكر بن أيوب بن شاذي، ولد بالقاهرة سنة ٥٧٦ هـ ونشأ بالشام وقرأ القرآن وتفقه والأدب والنحو، وكتب الشعر، ملك دمشق سنة ٥٩٢ هـ، واستقل بها سنة ٦١٥، وحارب الفرنج وكسرهم غير مرة توفي سنة ٦٢٤ هـ.
شفاء القلوب في مناقب بني أيوب ص ٢٧٦، وذيل الروضتين ص ١٥٢، ومفرج الكروب ٤/ ٢٠٨، ووفيات الأعيان ٣/ ٤٩٤، وتاريخ أبي الفداء ٣/ ١٣٨.

<<  <  ج: ص:  >  >>