للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الموتة التي كتب الله عليك فقد ذقتها، ثم لن تصيبك بعدها موتة أبدا، ثم رد البرد على وجهه ثم خرج وعمر يكلم الناس، فقال: على رسلك يا عمر، أنصت، فأبى إلا أن يتكلم، فلما رآه أبو بكر لا ينصت، أقبل على الناس، فلما سمعوا كلامه، أقبلوا عليه، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:

أيها الناس، من كان يعبد محمدًا، فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله، فإن الله حي لا يموت، ثم تلا: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ (١).

قال الراوي: فوالله لكأن الناس لم يعلموا أن هذه الآية نزلت حتى تلاها أبو بكر يومئذ.

قال عمر، : والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها، فعقرت حتى وقعت إلى الأرض ما تحملني رجلاي، وعرفت أن رسول الله قد مات.

مات والله سيد الأنام، وطفئ مصباح الظلام، ووهن عضد الإسلام، وتفطر أحد وشمام (٢)، وألقى الرمح والسيف الصمصام، ودخل البدر السرار، وطمست شمس النهار، وأقلعت سحائب الكرام الغزار، وضمت هوامد اللحود سواكب البحار، وفقدت الأمة سيدها، والملة مجددها، وبكت الأرض محمدها، والسماء أحمدها، وانقطع الوتين، وحل البين، وانفصم حبل الله المتين، بل نقله الله إلى دار كرامته، واختار ما عنده لإقامته.

وكان بالمدينة صانع يحفر اللحود، وآخر يعمل الأضرحة، فبعث خلفهما، فسبق الذي يلحد، فقيل: هو الذي اختاره الله لرسوله.

فتولى أهله غسله، وصلى عليه جمائع وفرادى، ثم كان أهله هم الذين لحدوه، صلوات الله وسلامه وتحياته وإكرامه عليه وسلم تسليما.

وقال حسان بن ثابت يبكي رسول الله (٣): [من الكامل]

مابال عينك لا تنام كأنما … كحلت مآقيها بكحل الأرمد


(١) سورة آل عمران: الآية ١٤٤.
(٢) شَمَامِ؛ جبل له رأسان، قيل لباهلة، وقيل لبني حنيفة، من بلاد بني قشير «معجم البلدان ٣/ ٣٦١».
(٣) دوان حسان ٢٠٨ - ٢١٠، السيرة النبوية ٦/ ٩١ - ٩٢ ط الجيل.

<<  <  ج: ص:  >  >>