ثم غزته قريش غزوة أحد، وقد جمعت له واستنصرت عليه، وكان رسول الله ﷺ يكره الخروج إليهم، وقال له كثير من المسلمين: اخرج بنا إلى أعدائنا، لا يرون أنا جبنا عن أعدائنا، فخرج في ألف من أصحابه.
ثم انخزل عنه عبد الله بن أبي بثلث الناس.
والتقى الجمعان، واشتد القتال، وكانت النوبة على المسلمين، وصرخ صارخ:
ألا إن محمدًا قتل، فانكفأت الصحابة وانكفأت قريش عليهم، وكان يوم بلاء وتمحيص، فترس دونه أبو دجانة (١) بنفسه، ويقع النبل في ظهره وهو منحن عليه حتى كثر فيه النبل، ورمى عنه سعد بن أبي وقاص وهو يقول: فداك أبي وأمي، فدف بالحجارة حتى وقع لشقه، فأصيبت رباعيته وشج في وجهه وكلمت شفته، ودخلت حلقتان من حلق المغفر في وجنته، وقع في حفرة فأخذه علي - كرم الله وجهه - بيده، ورفعه طلحة بن عبيد الله حتى استوى قائمًا، ونزع أبو عبيدة الحلقتين فسقطت لأبي عبيدة ثنيتان، ومص أبو سعد الخدري الدم من وجهه، ثم ازدرده، فقال ﷺ:«من مس دمه دمي لم تصبه النار».
وأول من عرف رسول الله ﷺ بعد أن قيل: قتل، بسبب الناس، كعب بن مالك، قال: فناديت: يا معشر المسلمين أبشروا، هذا رسول الله ﷺ فنهضوا له ونهض معهم نحو الشعب، معه أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وطلحة بن
(١) أبو دُجانة الأنصاري، سِمَاك بن خَرَشَة بن لَوْذان بن عبد وُدّ بن زيد بن ثعلبة بن الخزرج بن ساعدة، آخى الرسول ﷺ بين أبي دجانة، وعتبة بن غزوان، وشهد أبو دجانة بدرًا وكانت عليه يوم بدر عصابة حمراء، وشهد أحدًا، وثبت مع رسول الله ﷺ وبايعه على الموت، وشهد أيضًا اليمامة، وهو فيمن شرك في قتل مسيلمة الكذاب، وقتل أبو دجانة يومئذ شهيدًا سنة اثنتي عشرة في خلافة أبي بكر رضي الله تعالى عنه. ترجمته في: الطبقات الكبرى ٣/ ٥٥٦، ٧٥٧، تاريخ خليفة بن خياط ص ١١١ - ١١٤، المعارف ص ٢٢١، الجرح والتعديل ٤/ ٢٧٩ رقم ١٢٠١، مشاهير علماء الأمصار ص ٢١ رقم ٨٥، الاستيعاب ٤/ ١٦٤٤ رقم ٢٩٣٨، تهذيب الأسماء واللغات ٢/ ٢٢٧ - ٢٢٨، سير أعلام النبلاء ١/ ٢٤٣ - ٢٤٥، الإصابة ٣٣/ ١٧٤.