ثم مضى ﵇ وعدل الصفوف، ورجع إلى العريش وهو يناشد ربه ما وعده من النصر، ويقول:«اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد»، وأبو بكر يقول: يا نبي الله، بعض مناشدتك ربك، فإن الله منجز لك ما وعدك. وخفق (١)﵇ خفقة في العريش، ثم انتبه، وقال:«أبشر يا أبا بكر، أتاك نصر الله. هذا جبريل آخذ بعنان فرس يقوده، على ثناياه النقع»(٢).
وحرّض النبي ﷺ أصحابه على القتال، وبشرهم بالنصر.
ولما التقى الناس أخذ ﵇ حفنة من الحصباء، واستقبل بها قريشا، قم قال:«شاهت الوجوه»، ثم نفحهم بها، وأمر أصحابه وقال:«شدوا»، فكانت الهزيمة، فقتل الله من قتل من صناديد قريش، وأسر من أسر من أشرافهم.
وقال ﵇ لأصحابه يومئذ:«إني قد عرفت أن رجلًا من بني هاشم وغيرهم قد أخرجوا كرها، [لاحاجة لهم بقتالنا] فمن لقي منكم أحدًا من بني هاشم فلا يقتله، ومن لقي [أبا البختري بن هشام بن الحارث بن أسد فلا يقتله، ومن لقي] العباس بن عبد المطلب، عم نبيكم فلا يقتله فإنه إنما أخرج مستكرها». فقال أبو حذيفة: أنقتل آباءنا وأبناءنا وإخوتنا وعشيرتنا ونترك العباس، والله لئن لقيته لألجمنه بالسيف، (فبلغت رسول الله ﷺ فقال لعمر بن الخطاب: يا أبا حفص، أيضرب وجه عم رسول الله ﷺ بالسيف؟! فقال عمر: يا رسول الله، دعني فلأضرب عنقه بالسيف)، فوالله لقد نافق؛ قال عمر: وهو أول يوم كناني فيه ﵇ بأبي حفص، وكان أبو حذيفة [يقول]: ما أنا بأمن من تلك الكلمة التي قلت - يومئذ - ولا أزال منها خائفا، إلا أن تكفرها عني الشهادة، فقتل يوم اليمامة شهيدًا.
ومر عبد الرحمن بن عوف بأمية بن خلف وابنه علي، فاستجار به فأجاره قال ابن عوف ﵁: قال لي أمية بن خلف وأنا بينه وبين ابنه آخذ بأيديهما: يا عبد الإله، من الرجل منكم المعلم بريشة نعامة في صدره؟ قال: قلت: ذاك حمزة بن عبد المطلب. قال: ذاك الذي فعل بنا الأفاعيل قال: وإني لأقودهما إذ رآهما بلال، وكان أمية هو الذي يعذب بلالًا على ما تقدم ذكره، فقال بلال: رأس الكفر أمية بن خلف، لا نجوت إن نجوت. قال: قلت: أي بلال، أبأسيري! قال: لا نجوت إن نجا. قال: ثم صرخ بأعلى صوته: يا أنصار الله، رأس الكفر أمية بن خلف، لا نجوت إن نجا. قال: فأحاطوا بنا، وأنا أذب عنهما، فأخلف رجل السيف فضرب ابنه فوقع، فصاح أمية