فقال الشيخ النجدي: القول ماقال الرجل، هذا الرأي، لا أرى غيره.
فأتاه جبريل وقال له: لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه، فلما كانت عتمة من الليل، اجتمعوا على بابه يرصدونه متى نام، فيثبون عليه، فلما رأى رسول الله ﷺ مكانهم، قال لعلي بن أبي طالب: نم على فراشي واتشح ببردي هذا الحضرمي، فنم فيه، فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم.
وأخذ رسول الله ﷺ حفنة من تراب في يده، فأخذ الله على أبصارهم عنه فلا يرونه، فجعل ينثر ذلك التراب على رؤوسهم ويتلو هذه الآيات من يس: ﴿يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ * لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ * وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ (١)، فلم يبق رجل إلا وقد وضع على رأسه ترابا، وانطلق لحاجته إلى حيث أراد أن يذهب، فأتاهم آت ممن لم يكن معهم فقال: ما تنتظرون؟ قالوا: محمدًا، قال: خيبكم الله، قد والله خرج عليكم محمد، ثم ما ترك منكم رجلا إلا وقد وضع على رأسه ترابا وانطلق لحاجته، أفما ترون ما بكم؟
قال: فوضع كل رجل منهم يده على رأسه فإذا عليه تراب، ثم جعلوا يتطلعون فيرون عليا في الفراش، فيقولون: والله إن هذا لمحمد نائما، عليه برده. حتى أصبحوا فقام علي عن الفراش، وقالوا: والله لقد كان صدقنا الذي حدثنا.
وكان أبو بكر ﵁ قد أترع راحلتين فحبسهما في داره يعلفهما اعدادا لذلك، ثم أتى أبا بكر في الهاجرة في ساعة كان لا يأتي فيها. وقال: إن الله قد أذن لي في الخروج والهجرة، فقال أبو بكر: الصحبة يارسول الله، قال: الصحبة.
ثم قال: يانبي الله هاتان راحلتان كنت أعددتهما لهذا فاستأجرا عبد الله بن أريقط (٢) من بني الدئل بن بكر (٣) - وكان مشركًا، يدلهما على الطريق، ودفعا
(١) سورة يس: الآيات ١ - ٩. (٢) عبد الله بن أريقط الليثي، الديلي» وهو الذي استأجره أبو بكر - رضي الله تعالى عنه - دليلًا لرسول الله وأبي بكر في أثناء الهجرة. أشار ابن سعد في طبقاته، والذهبي في التجريد إلى إسلامه، بينما يروي ابن حجر أن عبد الغني المقدسي قد جزم في السيرة بأنه لم يعرف له إسلامًا، وتابعه في ذلك النووي في التهذيب. ترجمته في: الطبقات الكبرى ١/ ٢٢٩، ٣/ ١٧٣، ٨/ ٦٢، ١٦٥، تجريد أسماء الصحابة ١/ ٢٩٦ - ٢٩٧ رقم ٣١٣٢، المختصر الصغير، هامش ص ٤٩، الإصابة ٤/ ٥. (٣) بنو الدئل: بالدال المهملة وكسر الهمزة ولام في الآخر، وهي كنانة بن خزيمة، وهذا الاسم منقول من الدئل، وهي دويبة شبيهة بابن عرس «نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب» ص ٥٤.