الله، إن بيننا وبين الرجال حِبالًا، وإنا قاطعوها - يعني اليهود - فهل عسيت إن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ فتبسّم رسول الله ﷺ ثم قال: بل الدّم الدّم، والهدم الهدم - أي ذمتي ذمتكم وحرمتي حرمتكم - أنا منكم وأنتم [مني]، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم.
ثم جعل عليهم اثني عشر نقيبًا، تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس، وقال لهم: أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء، ككفالة الحواريين لعيسى ابن مريم، وأنا كفيل على قومي قالوا: نعم.
فلما أتوا المدينة، أظهروا الإسلام بها، وفي قومهم بقايا من شيوخ لهم على دينهم من الشرك.
ثم هاجر من هاجر إلى المدينة، ولم يتخلف مع رسول الله ﷺ من أصحابه بمكة إلا من حُبس أو فُتن، إلا عليّ بن أبي طالب، وأبو بكر بن أبي قحافة ﵄ وكان أبو بكر مرارًا يستأذن رسول الله ﷺ في الهجرة، فيقول له: لا تعجل لعل الله يجعل [لك] صاحبًا، فيطمع أبو بكر أن يكونه.
ولما رأت قريش أن رسول الله ﷺ قد صارت له شُعبة وأصحاب من غيرهم بغير بلدهم، ورأوا خروج أصحابه من المهاجرين إليهم، حَذِروا خروجه إليهم، فاجتمعوا له في دار النّدوة، وهي دار قصي بن كلاب، وكانت قريش لا تقضي أمرًا إلا فيها، يتشاورون فيما يصنعون في أمر رسول الله ﷺ حين خافوه.
واعترضهم إبليس في هيأة شيخ جليل، فقالوا: من الشيخ؟ فقال: شيخ من أهل نجد، عسى أن لا يَعدمكم منه رأيًا ونصحا. قالوا: أجل. وتفرقوا على رأي أبي جهل أن يأخذوا من كل قبيلة فتى جليدًا نسيبا ليضربوه ضربة رجل واحد، فيتفرق دمه في القبائل ولا يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعا.
برسول الله ﷺ بمكة من الأنصار، فأسلموا قبل قومهم، ويُجعل في النفر الستة الذين يروى أنهم أول من لقي رسول الله ﷺ من الأنصار بمكة، فأسلموا قبل قومهم، وقدموا المدينة بذلك، وأفشوا بها الإسلام، شهد بدرًا وأحدًا والمشاهد كلها، شهد صفين مع علي وقتل بها سنة ٣٧ هـ، وكان شاعرًا، وقيل: إنه توفي بالمدينة سنة ٢٠ هـ. ترجمته في: الطبقات الكبرى ٣/ ٤٤٧ - ٤٤٩، طبقات خليفة بن خياط ٧٨، ٣٣٢، المعارف ص ٢٧٠، الجرح والتعديل ٨/ ٢٠٧ رقم ٩٠٦، الاستيعاب ٤/ ١٧٧٣ رقم ٣٢١٣، أسد الغابة ٥/١٤، تهذيب الأسماء واللغات ٢/ ٧٩، ٨٠، الإصابة ٧/ ٤٤٩ - ٤٥٠، صفة الصفوة ١/ ١٨٣، المحبر ٢٦٨، الأعلام ٥/ ٢٥٨.