وبقي ﷺ مع عمه أبي طالب، وإليه كانت كفالته، وسافر به عمه أبو طالب إلى الشام، فلما نزل الركب بصرى، وكان بها راهب اسمه بحيرى (١) في صومعة طالما نزلوا به فلم يكلمهم، وكان إليه علم النصرانية، يتوارثونه كابرًا عن كابر، فلما نزلوا به تلك السنة صنع لهم طعاما كثيرا وبعث يقول لهم: إني قد صنعت لكم طعاما يامعشر قريش، وأنا أحب أن تحضروا كلكم صغيركم وكبيركم وعبدكم وحركم، فاجتمعوا إليه وتخلف رسول الله ﷺ الحداثة سنه في رحالهم تحت شجرة هناك. وكان - فيما يقال - إنه قد أشرف عليهم، فرأى الغمامة تظل رسول الله ﷺ من بين القوم، ثم رأى الغمامة قد أظلت الشجرة لما نزل في ظلها، وقد تهصرت أغصانها عليه، فنظر فيهم فلم ير الصفة (التي يعرف ويجد عنه)، فقال: معشر قريش، لا يتخلفن أحد منكم عن طعامي. قالوا: يا بحيرى، ماتخلف عنك أحد إلا غلام هو أحدث القوم سنا. فقال:[لا] تفعلوا، ادعوه فليحضر هذا الطعام معكم، فقام رجل منهم واحتضنه وأجلسه مع القوم. فلما رآه بحيرى جعل يلحظه وينظر إلى أشياء من جسده كان يجدها عنده من صفته، حتى إذا فرغ القوم من طعامهم وتفرقوا قام إليه بحيرى وقال: يا غلام، أسألك باللات والعزى إلا أخبرتني عما أسألك عنه - وإنما أقسم بهما عليه، لأنه سمع قريشا يقسمون بهما - فقال له رسول الله ﷺ:«لا تسألني باللات والعزى شيئًا، فوالله ما أبغضت شيئًا - قط - بغضهما». قال له بحيرا: فبالله إلا أخبرتني عما أسألك. قال:«سلني عما بدا لك». فجعل يسأله عن أشياء من حاله، من نومه وهيأته وأموره، ورسول الله ﷺ يخبره، فيوافق ما عند بحيرى من صفته، ثم نظر إلى ظهره فرأى خاتم (٢) النبوة بين كتفيه على موضعه، وكان مثل أثر المحجم (٣).
فلما فرغ قال لأبي طالب: ما هذا الغلام منك؟ قال: ابني. فقال له بحيرى: ما
(١) بحيرى: يذكر ابن زكريا أنه كان حبرًا من يهود تيماء. ترجمته في: «سيرة النبي ﷺ المختصرة للرازي ٣٣». بينما يشير المسعودي: إلى أنه كان من عبد القيس، وكان مؤمنًا على دين المسيح، واسمه في النصارى سَرْجَس. «انظر: مروج الذهب ١/ ٨٩، ٢/ ١٠٢». (٢) خاتم: قيل سمي بذلك لأنه من العلامات التي يعرفه بها علماء الكتب السابقة. انظر: سيرة ابن هشام ١/ ١٨٢، هامش (٤). (٣) المحجَمُ: مشرط الحجام، «لسان العرب ٢/ ٧٩٠».