للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وبقي عند جده، وكان يوضع لجده عبد المطلب فراش في ظل الكعبة ويجلس بنوه حول فراشه حتى يخرج إليه ولا يجلس أحد منهم معه، وكان يأتي رسول الله وهو غلام جفر حتى يجلس عليه، فيأخذه أعمامه ليؤخروه عنه، فيقول: دعوا ابني، فوالله إن له لشأنا، ثم يجلسه معه عليه ويمسح ظهره بيده، ويسره مايراه يصنع.

فلما بلغ ثماني سنين، هلك عبد المطلب، ويروى أن عبد المطلب جمع بناته قبل موته وأمرهن أن يبكينه، فقالت كل واحدة شعرا فيه، ورثي بأشعار من أحسنها قول حذيفة بن غانم من بني عدي بن كعب (١): [من الطويل]

أعينيَّ جُودا بالدموع على الصدر … ولا تسأما سقيتما سَبَلَ القطر

على الماجد البهلول ذي الباع والندى … ربيع لؤي في الفحوط وفي العُسرِ (٢)

على شيبة الحمد الذي كان وجهُهُ … يضيء سواد الليل كالقمر البدر

طوى زمزمًا عند المقام فأصبحت … سقايته فخرا على كل ذي فخر

بنوهُ سَرَاة كلُّهم وشبابهم … تفلّقُ عنهم بيضة الطائرِ الصَّقْرِ

فإِنْ تَكُ غالته المنايا وصَرْفُها … فقد عاش ميمون النقيبة والذكر

وكذلك قول مطرود بن كعب الخزاعي (٣): [من الكامل]

يا أيها الرجلُ المُحوّل رحله … هلا نزلت بآل عبد مناف

ثكلتك أمك لو حَلَلْتَ بدارِهِمْ … ضمنوكَ مِنْ جُرم ومن إقراف

المنعمين إذا النجوم تغيرت … والظاعنين لرحلة الأضياف

والمطعمين إذا الرياح تناوحت … حتى تغيب الشمس في الرجاف (٤)

إما هلكت أبا الفعال فما جَرَى … مِنْ فوق مثلكِ عَقْدُ ذاتِ نطاف (٥)


(١) حُذَيْفَةُ بن غانم: هو والد أبي جهم بن حذيفة، واسم أبي جهم عبيد، وهو الذي أهدى الخميصة إلى الرسول وقيل إن الشعر لحذافة بن غانم، وهو أخو حذيفة والد خارجة بن حذافة، «الروض الأنف ١/ ١٩٩».
(٢) البهلول: السيد.
(٣) مطرود بن كعب الخزاعي: شاعر جاهلي لجأ إلى عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف لجناية كانت منه فحماه وأحسن إليه فأكثر مدحه، ومدح أهله، ترجمته في: «معجم الشعراء ٣٧٥، والسيرة لابن هشام ١/ ١٧٨، المحبر ١٦٤، لسان العرب ٣/ ١٥٩٦، الأعلام ٧/ ٢٥١، معجم الشعراء للجبوري ٥/ ٤٠٩ - ٤١٠».
(٤) الرجاف: البحر سمي به لاضطرابه، وتحرك أمواجه. «لسان العرب ٣/ ١٥٩٦».
(٥) نطافك النَّطَفُ: اللؤلؤ الصافي اللون، أو القرمطة، والنطفة: الماء القليل، وقيل الماء الصافي، قل أو كثر، والجمع نُطَفُ ونِطَافُ. «لسان العرب ٦/ ٤٤٦١، الروض الأنف ١/ ٢٠٤».

<<  <  ج: ص:  >  >>