واسترضع له حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية (١)، وظهر عليها آثار بركاته،
قال: أبعد خبري، أم قبله؟ قالوا: قبله، واسمه «أحمد». قال: فاذهبوا بنا إليه. فخرجوا معه حتى دخلوا على آمنة ﵂، فأخرجته إليهم، فرأى الشامة بظهره، فغُشِيَ على اليهودي. ثم أفاق. قالوا: ما لك ويلك؟ قال: ذهبت النبوة من بني إسرائيل، وخرج الكتاب من أيديهم، وهذا مكتوب أنه يقتلهم، ويبيد أحبارهم، فازت العرب بالنبوة، أفرحتم به يا معشر قريش؟ أما والله ليسطون بكم سطوة، يخرج نبؤها من المشرق والمغرب. وقال ابن أبي نحلة: «كانت اليهود بني قريظة يَدْرُسون ذكر رسول الله ﷺ في كتبهم، ويعلمون الولدان بصفته واسمه، ومهاجره المدينة، فلما ظهر، حسدوا وبغوا وانكروا». وقال محمد بن مسلمة: «لم يكن في بني عبد الأشهل إلا يهودي واحد، يقال له يوشع، فسمعته يقول - وانا غلام -: قد أظلكم خروج نبي يبعث من نحو هذا البيت - ثم أشار بيده إلى بيت الله تعالى - فمن أدركه فليصدقه. فبعث رسول الله ﷺ فأسلمنا، وهو بين أظهرنا ولم يسلم، حسدًا وبغيًا». وقال ابن عباس: إن يهود كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج، برسول الله ﷺ قبل مَبْعَثِهِ. فلما بعثه الله من العرب كفروا به وجحدوا ما كانوا يقولون فيه. فقال لهم معاذ بن جبل، وبشر بن البراء: يا معشر يهود اتقوا الله، واسلموا، قد كنتم تستفتحون علينا بمحمد ﷺ وإنا أهل شرك، وتخبروننا أنه مبعوث وتصفونه لنا بصفته. فقال سلام بن مشكم: ما هو بالذي كنا نذكر لكم، ما جاءنا بشيء نعرفه. فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهم: ﴿ولما جاءهم كتاب من عند الله مُصدِّق لما معهم، وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فَلَعْنَةُ الله على الكافرين﴾ [سورة البقرة: ٨٩]. يقول: يستنصرون بخروج محمد ﷺ على مشركي العرب. يعني بذلك أهل الكتاب. فلما بعث الله تعالى محمدًا ﷺ ورأوه من غيرهم كفروا به وحسدوه، راجع في ذلك «الوفا ٨١، ٨٤، ٩١» وننبه هنا إلى أن رسول الله ﷺ من ولد (إسماعيل) ﵇ وليس من ولد إسحاق. فأنبياء بني إسرائيل كلهم من نسل يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم. أما رسول الله ﷺ فقد كان من ذرية إسماعيل نص حديث مسلم: «إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من بني إسماعيل بني كنانة، واصطفى من بني كنانة قريشًا، واصطفى من قريش بني هاشم» واصطفاني من بني هاشم وفي بعض الروايات، فأنا خيار من خيار من خيار. «النبوة والأنبياء للصابوني ٢١٣». (١) حليمة السعدية: بنت أبي ذؤيب عبد الله بن الحارث بن شجنة بن جابر بن رزام بن ناصرة بن فصَيّة بن نصر بن سعد بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان السعدية من أمهات النبي ﷺ في الرضاع. كانت زوجة الحارث بن عبد العزى السعدي من بادية الحديبية وكان المرضعات يقدمن إلى مكة من البادية لإرضاع الأطفال ويفضلن من يكون أبوه حيا لبره إلا أن محمدًا كان يتيمًا، مات أبوه عبد الله، فتسلمته حليمة من أمه «آمنة» ونشأ في بادية بني سعد في الحديبية واطرافها، ثم في المدينة، وعادت به إلى أمه. وماتت آمنة وعمره ست سنين فكفله جده عبد المطلب. وقدمت حليمة على مكة بعد أن تزوج