وفلسطين وطرسوس والمصيصة وأرض الروم وما يسامتها من الأراضي يستقبلون ميزاب الكعبة، ويُسمّيه أهل مكة ميزاب الرحمة، ولهذا نهى رسول الله ﷺ عن استقبال القبلتين للبول والغائط؛ لأن من كان بالمدينة واستقبل القبلة فقد استدبر الصخرة، فكان نهيه عن استقبال القبلتين بالبول والغائط، نهيًا عن استقبال الكعبة واستدبارها، ثم قال: ولكن شرقوا أو غرّبوا، تكون الكعبة عن يمينه وبيت المقدس عن يساره، أو الكعبة عن شماله وبيت المقدس عن يمينه، وهذا خاص بأهل المدينة.
فمن كان في هذه البلاد يجعل بنات نعش إذا غربت خلفه، وسهيلًا إذا طلع بين عينيه، والنسر الواقع إذا طلع على أذنه اليسرى، وإذا غرب خلف أذنه اليمنى، وريح الصبا على عينه اليسرى، والشمال خلف أذنه اليسرى، والدبور خلف أذنه اليمنى، والجنوب على حاجبه الإيمن.
واعلم أن قبلة الشام خلا الرملة وبيت المقدس، وما كان من البلاد على سَمْتِهِ، ميزاب الكعبة إلى الركن اليماني، ويجعل المصلّى في تلك الجهات بنات نعش الكبرى إذا طلعت خلف أذنه اليسرى أو الجدي إذا علا على منكبه الأيسر أو الهنعة إذا طَلَعَتْ عن شماله، والصبا على صفحة خده الأيسر، والشمال على مرجع الكتف اليمنى أو الدبور على أذنه اليمنى إلى قفاه، والجنوب تلقاء وجهه.
واعلم أن مَنْ كان بملطية وشميصات وزبطة ومرعش والجزيرة ونصيبين وأرمينية إلى باب الأبواب، يستقبل من الركن الشامي إلى مصلّى آدم ﵇، ويجعل عيوق الثريا إذا طلع خلف أذنه اليسرى إلى قفاه، وإذا غرب على جنبه الأيمن. والقطب على أذنه اليمنى إلى قفاه وشرق الشتاء على العظم الذي خلف أذنه اليسرى، أو ريح الصبا على كتفه اليسرى، أو الشمال على صفحة خده الأيمن، أو الدبور على عاتقه الأيمن إلى عينه اليمنى أو الجنوب على عينه اليسرى.
ولا بد لمن أراد استعمال ما ذكرته في هذا الفصل من معرفة الكواكب التي سميناها، وهي يسيرة فيعرفها بأعيانها بموقف، وكذلك الرياح ومهباتها فإنه يصل بذلك إلى بغيته ومُرادِهِ إِنْ شاء الله تعالى.
وقال عبد الله بن المبارك (١): من أصحابنا أهل الكوفة يجعلون الجدي خلف
(١) عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي مولاهم التركي ثم المروزي، ولد سنة ١١٨ هـ ورحل في طلب العلم وأكثر التطواف، وجمع الحديث والفقه والعربية، وكان دينًا عابدًا من الزهاد الشعراء. توفي بهيت سنة ١٨٢ هـ.