للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

سأَلتُ شَيخنا أبا الثناء، فقال: كانَ قَوِيَّ التَّراكِيب، صحيح الأساليب. قلت:

وكان مظهرًا للأعاجيب، ومَظْهَرًا لأبكار من الجَاذِر في زي الأعاريب.

وكتب إلى شيخنا أبي الثناءِ يُهِنِئُهُ بِطَبَقَةٍ كانَ بناها بحارة (زُويلة) رَفَعَ سَمْكَها، [وَرصَّع في عنق الجوزاء سلكها، وَجَلا عقلتها الحالية، وطاول بها القصور فتضاءلت لطبقتها العالية، فأجابه عنها، ثم أجاب، وجاء كل منهما بالإعجاب. ولو حضرتني تلك المراجعات لأريت كيف يتقارع الفحلان، ويتقاطع النصلان، وهي قافية لا تسلك لها قافية، ولا توصف بشيء إلا وذاتها كافية. هذا الى ما لهذا مما عزَّ مطلبه إلا مما أخرجه مطلبه، فترك سوق الشعراء خاوية، وأدرك من المحاسن ما لا يخفى عليه خافية، وقد ذكره السراج الوراق ذكرًا ظل به لسانه يلهج وروضه يبهج، وذكر أن العزازي كان قد سافر عن مصر سفرة طالت فيها مدة بينه، وحملته فوق الطاقة من شدّة أينه، ثم بعث له بقصيدة وهي]: [من الطويل]

سلام على تلك المحاسنِ والحُلي … وتلك السَّجايَا الغُرِّ والخُلُقِ العَذْبِ

سَلامُ مُحب تطبيهِ صَبابَةٌ … إليكَ على بُعْدِ من الدّارِ أَوْ قُرْبِ

أَيَا عُمَرَ الجَمرات والمُدرِكَ العُلا … بمنصبه العالي ومنزلهِ الرَّحْبِ

أَبكَ ما بي من هوى منكَ زائدٍ … وَشَوْقِ قَنُوط بالملامة والعَتْبِ

عَهِدْتُكَ سَمْحًا بالتَّواصلِ واللِّقَا … فَصِرْتَ ضَنِينًا بِالرَّسائلِ والكُتُبِ

وَمَالِيَ ذَنْبٌ أَسْتَحِقُ بهِ الْجَفَا … وإنْ كانَ لي ذنبٌ فَحُبُّكُمُ ذَنبي

وما ازددتَ عِنْدِي جَفْوَةً بَعدَ جَفوَةٍ … وَحَقِّكَ إلا ازددت حبًّا على حب

أَيَا طَيفَهُ زُرْني ليسكُنَ مَضْجَعِي … وَيَا شَخصَهُ عُدْنِي لِتُطْفِي لَظَى كَرْبِي

وَيَا بارقاتٍ من رُباهُ ألا أو مضي … وَيَا نَسَمَاتٍ مِنْ حِمَاهُ أَلا هُبّي

فَتًى كفهُ تَهمِي وَنُعماهُ تَبتدي … وألفاظه تسبي وآدابُهُ تَصْبي

أَنمُّ من الريحان والبَانِ ذِكْرُهُ … وأَذكَى من الجَادِيِّ بالمَنْدَلِ الرَّطْبِ

لَهُ كَلِمَاتٌ نَشْرُها ومذاقها … كَراح النَّدامَى أَوْ كَرَيحانةِ الشَّرْبِ

أَلَذُّ إلى الأجفان من سِنَة الكَرى … وأَسْحَرُ للألباب من حَدَقِ السِّرْبِ

شُجَاعُ القوافي مائِلٌ بِبَدَاهَةٍ … يَروحُ بِلا طَعْنٍ وَيَغْدُو بِلا ضَرْبِ

إذا حَاكَ شِعْرًا أو رَواهُ مُحَرّرًَا … فَمَنْ أَحمدُ الكندي أو عامِرُ الشَّعْبي

سَقَى اللهُ مِصْرًا ما سَقَى عَذَبَ الحِمَى … وَلا أخطأتها صيّبات من السُّحْبِ

ولا بَرِحَتْ مُخضَلَّةَ الدَّوْحِ والثَّرَى … مُعَنبرة الأرجاء مِسْكية التَّرْبِ

أحِنُّ إلى أطلالها ورُبُوعِها … وَمَا دَارُهَا داري ولا شِعْبُها شِعْبي

<<  <  ج: ص:  >  >>