وَغَبَّرَ في وَجْهِ الأَوائِلِ سَبْقُهُ … فَفَاتَ مَدى غاياتها وشاها
وجَاءَتْهُ أَسْرَابُ النُّجوم حواسِرًا … بِكَفِّ الثَّرَيَّا تَسْتَعيرُ حُلاها
فَأَبْهَجَها حتَّى أَضَاءَ بِجَوِّها … وَأَلْحَفَها إشراقها وسناها
أَتاني مثالٌ مِنْكَ مِثْلُ خَرِيدَةٍ … تَضَوَّعَ في صُبْحِ الوِصالِ شَذاها
وَأَلْطَفُ مِنْ نَفْسٍ بَراهَا الهَوَى وَقَدْ … غَدَتْ تَتَشكَّى لِلحَبِيبِ عَناها
وَأَلْعَبُ بِالأَلْبَابِ مِنْ بِنْتِ كَرْمَةٍ … يَحُنُّكَ مَحْبُوبٌ لِحَسْوِ طَلاها
تُطِيلُ إليه الزَّاهِرَاتُ تَأَمُّلًا … وتَعْجَبُ من أَلْفاظِه وبناها
فوا أَسَفًا إِذْ لم أَحُلَّ بِجِلَّقٍ … وأَقْضِ بقايا مُدَّتي بحماها
أُشاهِدُها في دَوْلَةٍ مُحْيَوِيَّةٍ … سقاها الحيا وَسْمِيَّهُ ورَعاها
لَئِنْ كانَتِ الآدابُ أُحْمِلَ قَدْرُها … فَقَدْ عَادَ مَنْ كَانَتْ بِهِ تَتَباهى
وإِنْ كانَ قِدْمًا قد عراها كَسادها … فَها هي قد شَدَّ الزَّمانُ عُراها
وَيُعْمِلُ في داجي المُهِمَّاتِ فِكْرَهُ … فَيُطْلِعُ فيها شَمْسَها وضُحاها
أَنامَ بِها عَيْنَ الأنام فَرَدَّها … مُوَسَّنَةٌ من بَعْدِ فَقْدِ كراها
إِذا رَأْيُهُ أَغْناكَ عن نَشَرِ رَايَةٍ … لأية حال تَسْتَطِيلُ قَناها
فَيا فَوْزَ عَصْرٍ أَنْتُمُ ذُخْرُ أَهْلِهِ … وبشرى ليالينا بِكُمْ وهَناها
يُقَبِّلُ الأَرْضَ لا زالَتْ مَرْكَزًا لِدائِرَةِ التهاني، وقُطْبًا لِفَلَكِ تَرِدُ المَسَرَّةُ فِي مَجَرَّتِهِ على الدقائِقِ والثواني، ومَعْقِلًا يَعْصِمُ بِهِ وَسائِلُ الآمالِ وعَقَائِلُ الأماني، وحَرَمًا تُحَثُّ إِلَيْهِ نَجَائِبُ البَشَائِرِ فَلا يَكُونُ لَهُ عَنْهَا تَواري ولا لَها عَنْهُ تَواني: [من الوافر]
إِلى أَنْ يَجْتَنِي منها قُطوف الـ … ـمَسَرَّةِ وهي طَيِّبَةُ المَجاني
ويُبْدِعُ في عُلاها كُلَّ مَعنى … فَنَظْفَرُ بِالمعالي والمعاني
تَقبِيلَ مَنْ أُجِيبَتْ دَعَواتُهُ، وشُغِلَتْ بِذلكَ لَهَ، لَهَواتُهُ، ومُلِئَتْ بِمَا يُمْلِيهِ مِنْهَا خَلَواتُهُ، وَيَسْتَمِرُّ على وَلائِهِ الذي لم يَحْتَجْ - إِذْ يُحْتَجَّ بِهِ - إلى دليل، ولم يَجِدْ - إِذْ يَجِدُّ - في سُلُوكِهِ مَشَقَّةَ سَبيل، ويَصِفُ ما يَجِدُهُ من شَوْقٍ شُقَّتْ لَهُ بِالجَوَى جَوانِحُهُ، وَمَلأَتِ الفُؤَادَ فَوادِحُهُ، وَأَذَابَتِ القُوى قَوادِحُهُ.
ويُنهي ما عِنْدَهُ من هذا الهَناء الذي عَمَّتِ الوُجودَ بَشائِرُهُ، وَحَقَّقَ اللهُ بِهِ ظَنَّ كُلِّ مُؤَمِّلٍ فَما خَانَتْ ضَمَائِرُهُ، وَوَجَدَتِ القُلوبُ لأَخْبَارِهِ ما يَجِدُهُ المَشُوقُ إِذا تَرَنَّمَ فَوقَ الأَيْكِ طَائِرُهُ، فالآنَ أَعْطى اللهُ القَوْسَ بَارِيْها، وَأَنْزَلَ الدَّارَ بِالطَّالِعِ السَّعيد بانيها، وَتَقَلَّدَتِ المَمَالِكُ عُقودَ الجَواهِرِ مِنْ بَحْرِ مُنْشيها، فَيا لَهُ يَومًا حَتَّى بِهِ الدَّهْرُ جِيْدَهُ من عَطَلِهِ، وَظَفِرَ المُلْكُ بِالرَّأْي البَريء من خَطَائِهِ وخَطَلِهِ، وعَلِمَ أَنَّ البَدْرَ فِي الوَهْنِ كما هو