غريب: وهو أنّ بعض الكتاب زوّر خطّ السلطان، فرسم بقطع يده. فتلطف شهاب الدين بالسلطان حتى عفا عنه وسجنه، فأقام مدّة في السجن إلى أن وقع في هذا الوقت قصة يسأل فيها العفو عنه وتخلية سبيله. فلم يعرف السلطان خبره ولا سببَ حَبْسِه. فقيل له: إنَّ أمره يعرفُهُ شهاب الدين أبن فضل الله. فبعث إليه ليخبره بشأن هذا المحبوس، فعرفه الخبر فأمر بالإفراج عن الرجل وعن شهاب الدين.
فنزل إلى داره بالقاهرة. ثم استدعاه السلطان في محرّم سنة إحدى وأربعين بعد قتل تنكز نائب الشّام، واستحلفه على المناصحة، وولاه كتابة السرّ بدمشق عوضًا عن شهاب الدين يحيى بن إسماعيل ابن القيسراني. فسار إليها وقد قُبض على ابن القيسراني وأخذ ماله ورسم بقطع يده لتهمته بموافقة الأمير تنكز على ما قام به من المخامرة. فما زال يجهد في أمره حتى أفرج عنه.
واستمر في كتابة السرّ حتّى مات السلطان، وكان الاختلاف من بعده. فعزل بأخيه بدر الدين محمد في يوم الاثنين ٣ صفر ٧٤٣ هـ وطلب لكثرة الشكايات فيه. فقدم في صفر سنة ٧٤٤ هـ وقد لَطَّفَ أخوه علاء الدين علي كاتب السر أمره حتى أعيد إلى دمشق» (١).
ولم يزل فيها مقيمًا في بيته، بطالًا، مستقرًا بمرتب يكفيه، إلى أن حدث الطاعون بدمشق فقلق منه، وتطاير به، وعزم على الحج، ثم أبطله. وتوجّه بأهله إلى القدس، فتوفيت هناك زوجته ابنة عمه، فدفنها هناك، وما به قلبة (٢)، غير أنه مروع من الطاعون، فحصل له يوم وصوله حمى ربع (٣)، ودامت به إلى أن حصل له صرع، فمات منه (٤).
[وفاته ومراثيه]
وكانت وفاته يوم السبت، (يوم عرفة) سنة ٧٤٩ هـ (٥).
وجرى له تشييع حافل، ودفن بتربتهم بالصالحية (٦)، على سفح قاسيون (٧) قبالة
(١) المقفى الكبير ١/ ٧٥٣ - ٧٥٥. (٢) القلبة: داء وتعب. (٣) أي حمى دائمة. (٤) أعيان العصر ١/ ٤١٩ - ٤٢٠. (٥) ذكر المؤرخون سنين مختلفة لوفاته؛ فقد جعله ابن إياس في وفيات سنة ٧٥٠ هـ؛ وذكر جرجي زيدان أن وفاته كانت سنة ٧٤٨ هـ. غير أن ما ذكره ابن تغري بردي في النجوم الزاهرة: ١٠/ ٣٣٤ هو أكثرها دقة. ويمكننا الجزم في ذلك من خلال نص للعمري نفسه في مسالك الأبصار حيث يقول: «فهذا ما ذكره الشريف أبو عمر عبد العزيز الإدريسي، وحدثني بذلك كله في صفر سنة ٧٤٩ هـ» وقد توفي العمري بعد تسعة شهور من كتابة تعليقه السالف الذكر. (مسالك الأبصار - القسم الأول - تحقيق دوروتيا كرافولسكي: المقدمة ص ٥٧). (٦) أعيان العصر ١/ ٤٢٠. (٧) المنهل الصافي ٢/ ٢٦٥.