وقد أخلع السلطان على ولده القاضي بدر الدين محمد وقرّره في كتابة السرّ، وصاحب ديوان الإنشاء الشريف، عوضًا عن أبيه، بحكم وفاته (٢).
وقد رثى نفسه قبل أن يموت بهذين البيتين، وجدت مكتوبة في ورقة في دواته، بخط يده، وهو قوله:
قُلْتُ لأقلامي اكتبي وانطقي … إلخ البيتين (٣).
ولما توفي، كتب الصفدي إلى أخيه القاضي علاء الدين صاحب دواوين الإنشاء يعزيه، نصه: يقبل الأرض وينهي ما عنده من الألم الذي برح، والسقم الذي جرّ ذيول الدمع على الخدود وجرح، لما قدّره الله تعالى من وفاة القاضي شهاب الدين:
سَقَتْهُ بألطف أندائها … وأغزرها ساريات الغمام
فِـ ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (٤) قَوْلَ من غاب شهابه، وآب التهابه، وذاب قلبه فصار للدمع قليبًا، وشاب فوده لما شب جمر فؤاده، ولا غرو فيومه جعل الولدان شيبًا، فيا أسفي على ذلك الوجه الملي بالملاحة واللسان الذي طالما سحر العقول ببيانه فصاحت يا ملك الفصاحة، واليد التي كم روّضت الطروس أقلامها، وأنشأت أسجاعًا لم تذكر معها بانات الحمى ولا حمامها، وكأن أبا الطيب ما عنى سواه بقوله (٥):
تعثرت بك في الأفواه ألسنها … والبرد في الطرق والأقلام في الكتب
فرحم الله ذلك الوجه، وبلغه ما يرجوه، وضواه بالمغفرة يوم تبيض وجوه وتسود وجوه، لقد فقد المجد المؤثل منه ركنًا تتكثر به الجبال فما تقله ولا تستقلّه، وعدمت الآداب منه بارعًا لو عاصره الجاحظ ما كان له جاحدًا، أو البديع علم أنّ ما فُض له فضله، وغاب من الإنشاء منه كاتب ليس بينه وبين الفاضل لولا أخوه مثله، أترى ابن المعتز عناه بقوله (٦):
(١) الوافي بالوفيات ٨/ ٢٦٨. (٢) بدائع الزهور ١/ ق ١/ ٥٣٣. (٣) بدائع الزهور في وقائع الدهور ١/ق ١/٥٣٣. انظر: البيتان في القطعة رقم (٣٣) في موضوع شعره. (٤) سورة البقرة: الآية ١٥٦. (٥) ديوانه: ١/ ٨٨ وفيه: «تعثرت به». والبرد: جمع بريد. (٦) ديوان ابن المعتز: ٢/ ٢٥٨، وفيه: «هذا أبو القاسم».