هذا أبو العباس في نعشه … قوموا انظروا كيف تزول الجبال
وما يقول المملوك في البيت الكريم، إلا إن كان قد غاب بدره وأفل شهابه، أو غاص قطره وتقشع سحابه فإنّ نيّره الأعظم باقٍ في أوجه، وبحره الزاخر متلاطم في موجه، وفي بقاء مولانا خَلَفٌ عمّن سلف، وعِوَضٌ عما انهدم ركنه وانقض، وجبر لمن عدم الجلد والصبر والله يمتع المسلمين بحياته، ويجمع لديه بين ثوابه وثباته، لأنه قد عاش الدر المفدى بالذهب وأضاءت شمس المعالي إن كان قد حمد اللهب:
علم الله كيف أنت فأعطا … ك المحل الجليل من سلطانه
جعل الدين في ضمانك والدنـ … يا فعش سالمًا [لنا] في ضمانه
وقد نظم المملوك قصيدةً مختصرة في رثاء المشار إليه، وجعل ألفاظها تبكيه وقوافيها تنوح عليه، وهي (١):
الله أكبر يا ابن فضل الله … شَغَلَتْ وفاتُكَ كلَّ قلب لاءِ
كل يقول وقد عرته كآبة … واهًا لفقدك إن صبري وَاهِ
فقَدَتْ بك الأملاك بحر ترسل … متلاطم الأمواج بالأمواه
يا وحشة الإنشاء منك لكاتب … ألفاظه زهر النجوم تباهي
وتوجع الأشعار فيك لناظم … من لطفه لشذا النسيم يُضاهي
كم أمسكت يمناك طرسًا أبيضًا … فأعدته في الحال طرزًا باهي
كم قد أدرت من القريض قوافيًا … هي نشوة «الناشي» وزهو «الزاهي»
ورسالة أنشأتها في حانة النبا … ذ حازت حضرة الفَكَّاءِ
ووضعت في الآداب كل مصنف … قالت له البلغاء زاه زاه
كم قد خطرت على المجرة رافلًا … يوم الفخار بمعطف تياهِ
شخصت لعلياك النجوم تعجبًا … ولك الشهى يرنو بطرف ساه
ما كنت إلا واحد الدهر الذي … يسمو على الأنظار والأشباه
من بعدك الكتاب قد كتبوا فما … يجدون منجاة لهم من جاه
أقلامهم قد أُمْلِقَتْ ورمى الردى … أدواتهم ودواتهم بدواهي
وطروسُهُمْ لبست حداد مدادها … أسفًا عليك مؤكدًا بسفاه
أما القلوب فإنها رهن الأسى … تَرِدُ القيامة وهي فيك كما هي
أبدًا يخيل لي بأنك حاضر … تملي الفوائد لي وأنت تجاهي
(١) الوافي بالوفيات ٨/ ٢٦٨ - ٢٧٠، أعيان العصر ١/ ٤٣١ - ٤٣٤.