للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الصاحي، فلا يدرى أرياضًا بواقع تيقظ راقدها، أم مطالع تغيظ حين تسامره فراقدها.

تزوج إلى أقربائه، وتزود ما ينفق بضاعته على قرنائه، إذ كأنه حلل، أو عقائل مأواها حلل أرق حاشية من ذلاذل النسيم، وأدق معنى من تكشف الشمس في اليوم المغيم، هو من بني سعد، وصاهر إليهم وجاهر الجواهر بما فضه لديهم، وظاهر بني عبد الظاهر وفاخر في دولة الناصر، ما لهم في دولة الظاهر، فكان تفاوت السلكين تفاوت ما بين الملكين، أتى السيل فطم على القرى، وطلع الصباح فأخفى نور الكوكب الدري. بفضائله الغرر، ورسائله التي فاءت على قسمات الطروس كالطرر، كان بمصر يباري نيلها السائغ الشراب، وقبيلها الأتراك الأتراب، لمحاسن نشرها ديوان الإنشاء حبرًا، وصورها في مخاطبات الملوك دررًا ثم عقد له بطرابلس على رئاسة هذا الديوان وقعد على كيوان، ورأيت منه على تجافي الأخوة والأخوان، وتنافي أحوال العوالي والأدوان، وتكافي مال العز والهوان. ما حمدت طريقه، وحمدت منه الخليقة. فألقيته لا يسمح بصاحبه، ولا يجمح إلى حفظ معيب عائبه، ولا مغيب عاتبه، يسعى في مآربه، ويرعى منه أكثر من أقاربه.

ومن نثره قوله:

وينهى ورود المثال العالي بما كان حصل للمزاج الشريف من التوعك الزائر، ثم زال أسرع من خطفة طائر، وعادت الصحة إلى المزاج الشريف تمامًا على الذي أحسن. وابتهجت القلوب، وقرت الأعين، وأن مولانا أظهر ما يجب من الإعلان بالسرور وملأ بالبشرى الممالك، فابتسمت ثغور الثغور، وزينت مدينة جلق، وكل أمير ومأمور فيها كأنه كوكب مخلّق. وما اقتضته الصدقات العميمة من أعلام المملوك بهذا النبأ الذي أزال البؤس وأبهج النفوس، وسكن الخواطر بصحة الذات الشريفة والمزاج المحروس، ليأخذ المملوك من مسرّتها حظه، ويودع قرتها لحظة، ورسم بتجهيز فلان في هذه البشرى، وقد قابلها المملوك بسجوده شكرا، وعطّر بالخلوق كلّ بشر مخلوق، وهذه أعظم نعمة أهداها مولانا إلى المملوك، شرحت الصدور وقدمت بالسرور، وقامت بها دعائم الإسلام في سائر المعمور، وبات الإيمان على طمأنينة في كل الأمور، وشكر المملوك صدقات مولانا التي نبهته على هذه المسرة، وأطلعت المملوك على هذه التهنئة، وكم له من مبرة، والمملوك تحت جناحه مقيم، ومن تلقائه يأتي كل خير عظيم، وحال ورود هذه البشارة تقدم بزينة مدينة طرابلس فأصبحت ذات أفراح، وأمست ذات حلى ووشاح، وطار القلب من فرحه بغير جناح، والحمد لله على هذه المسرة التي عمت الأقطار، وامتدت مع الليل والنهار، إلى ما وراء البحار، ولو بذل

<<  <  ج: ص:  >  >>