للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

المُزْنِ من الجو وفي أطرافها على الغدرانِ إِبَرٌ؟ وإلى متى تَجْمُدُ عُيونُ الغَمَامِ وتَكْحَلُها البُروقُ بِالنَّارِ؟ وإلى متى نِثارُ هَذِهِ الفِضَّةِ وما يُرى من النُّجومِ دِيْنارُ؟ وإِلى متى نَحْنُ نَحْنو على النَّارِ حُنُوَ المُرْضِعاتِ على الفَطِيمِ (١)؟ وإلى متى تبكي المَيازِيبُ: [من الوافر]

بكاءَ الأَوْلياءِ بِغَيْرِ حُزْنٍ … إِذا اسْتَوْلَوْا عَلى مَالِ اليَتِيمِ

وإلى متى هذا البَرْقُ تَتَلَوَّى بُطُونُ حَيَّاتِهِ، وتَتَقَلَّبُ حَماليقُ العُيونِ المُحْمَرَّةِ مَنْ أُسُودِ غاباتِهِ؟ وإلى متى يُزَمْجِرُ عَتْبُ هَذِهِ الرِّياحِ العاصفة؟ وإلى متى يُرْسِلُ الزَّمْهَرِيرُ أعوانًا تُصْبِحُ حَلاوَةُ الوُجوهِ بِها تالِفَةً؟ أَتَرى هَذِهِ الأَمْطَارَ تُقْلَبُ بِالأَزْيَارِ، أَمْ هَذِهِ المواليد التي تنتهي فيها الأَعْمَارُ؟ كم من جَلِيدٍ يَذُوبُ بِهِ قَلْبُ الجَلِيدِ، وَيُرَى زُجَاجُهُ الشَّفَافُ أَصْلَبَ من الحَديدِ، وَوَحْلٍ لا تَمْشِي هريرةُ فِيهِ الوَحى (٢)، وبَرْدٍ لا تَنْطِقُ فِيهِ نؤومُ الضُّحى.

اللَّهُمَّ حَوالَيْنا ولا عَلَيْنَا، لَقَدْ أَضْجَرَنَا تَراكُمُ الثَّيابِ، ومُقاساةُ ما لِهَذِهِ الرَّحْمَةِ من العَذابِ، وانْجِماعُ كُلِّ عن إِلْفِهِ، وإِغْلاقُ بابِ القِبابِ، وَتَخَلُّلُ الشَّبابِ زَوايا البُيوتِ، فالأطفال ضبابُ الشَّبابِ، كُلُّ ضَبٌ منهم قد أَلِفَ باطِنَ نَافِقَائِهِ (٣)، وقَدَّمَ بَينَ يَدِيهِ الموتَ بِدايَةَ بَدائِهِ، قد حَسَدَ على النَّارِ مَنْ أَمْسَى مُذْنِبًا وَأَصْبَحَ عَاصِيًا، وتَمَنَّى أَنْ يَرى من فَواكِهِ الجَنَّاتِ عُنَّابًا وقَراصِيا.

فإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الأَمْطَارُ تُكاثِرُ مَكارِمَ مَولانا، فَيا طُولَ مَا تَسْفَحُ؛ وإِنْ كَانَتِ العَواصِفُ تَتَشَبَّهُ بِبَأْسِهِ، فَيا طول ما تَلْفَحُ؛ وإِنْ كانَتِ البُرُوقُ تُحاكي ذِهْنَهُ المُتَسَرِّعَ، فَيا طُولَ مَا تَتَأَلَّقُ؛ وإِن كَانَتْ قَوْسُ قُزَحَ تَتَلَوَّنُ خَجَلًا من طُروسِهِ، فَيَا طُولَ مَا تَتَأَنَّقُ؛ وإِنْ كانت الرُّعودُ تُحاكي جَوانِحَ أَعْدائِهِ، فَيا طُولَ ما تَشْهَقُ وتَفْهَقُ؛ وإِنْ كَانَتِ السُّيُولُ تَجْرِي وراءَ جُودِهِ، فَإِنَّهَا تَجْري على طول المدى وما تَلْحَقُ.

والأولى بهذا النَّوْءِ الباكي، أَنْ لا يُحاكي؛ والأَلْيَقُ بِهذا الفَصْلِ المُبَغَضِ، أَنْ لا يَتَعَرَّضَ؛ فَرَحِمَ اللهُ مَنْ عَرَفَ قَدْرَهُ، وَتَحَقَّقَ أَنَّ مَولانا في الوُجودِ نَدْرَة؛ أُنهي ذلك.


(١) من قول المنازي أو حمدونة الأندلسية في وصف واد: [وفيات الأعيان ١/ ١٤٣]
حللنا دوحه فحنا علينا … حنو المرضعات على الفطيم
(٢) من قول الأعشى: [ديوانه ١٠٥] والوحى: الإسراع
ودع هريرة إن الركب مرتحل … وهل تطيق وداعًا أَيُّها الرجل
غراء فَرعاءُ مصقول عوارضها … تمشي الهوينى كما يمشي الوحى الوَجِلُ
(٣) النافقاء: جحر الضّب.

<<  <  ج: ص:  >  >>