للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

واجْتَحَفَ ما أتى عليه، وأَوَّلُ ما بَدأَ الدَّمْعُ بِالكَرى.

فكيفَ أَنْتَ يا سَيِّدِي في هذِهِ الأَحْوالِ؟ وكيفَ أَنْتَ فِي مُقاساةِ هَذِهِ الْأَهْوَالِ؟ وكيفَ رَأَيْتَ منها ما شَيَّبَ بِثَلْجِهِ نَواصِي الجِبالِ، وجاءَ بِالبَحْرِ فَتَلَقَّفَ ثُعبانُهُ ما أَلْقَتْهُ هراواتُ البُروق من عُصِي، وخُيوطُ السُّحُبِ من حبال؟

أَمَّا نَحْنُ فَبَيْنَ أَمْواجِ من السُّحُبِ تَزْدَحِمُ، وفي رَأْسِ جَبَلٍ لَا يَعْصِمُ فِيهِ من الماءِ إلا مَنْ رَحِمَ؛ وكيفَ سَيِّدُنَا مع مَجامِرِ كَانُونَ وشَرارِ بَرْقِها القادِحِ، وَهَمْ وَدْقِها الفادح، وَقَوْسِ قُزَحِها المُتَلَوِّنِ؟ رَدَّ اللهُ عليهِ صَوائِبَ سِهامِهِ، وبَدَّلَ مِنْهُ بِوَشائِعِ حُلَلِ الرَّبِيعِ ونَضَارَةِ أَيَّامِهِ، وجَعَلَ حَظَّ مَولانا من لَوافِحِهِ ما يُذَكِّيهِ ذِهْنُهُ من ضرامِهِ، ومَن سَوافِحِهِ ما يُوَلِّدُهُ فِكْرُهُ مِنْ تُؤَامِهِ، وعَوَّضَنا وإِيَّاهُ بِالصَّيْفِ واللهُ يَتَقَبَّلُ، وأَراحَنا من هذا الشَّتاءِ وَمَشْيِ غَمَامِهِ المُتَبَخْتِرِ بِكُمِّهِ المُسْبَلِ؛ بِمَنْهِ وَكَرَمِهِ إِنْ شَاءَ اللهُ تعالى.

فكتبتُ أنا الجواب إليه:

يُقَبِّلُ الأَرْضَ، وَيُنْهي وُرُودَ هَذِهِ الرُّقْعَةِ التي هي طراز في حُلَّةِ الدَّهْرِ، وحَدِيقَةٌ ذَكَرَتْ زَمَنَ الرَّبيع وما تُهديهِ أَيَّامُهُ من الزَّهْرِ؛ فَوَقَفَ منها على الرَّوْضِ الذي تَهَدَّلَتْ فُروعُ غُصونِهِ بِالأَثْمَارِ، وَنَظَرَ منها إلى الأُفُقِ الذي كُلُّ كَواكِبِهِ شُموسٌ وأَقْمَارُ، فَأَنْشَأَتْ لَهُ إِطْرابَةٌ، وَأَعْلَمَتْهُ أَنَّ قَلَمَ مَولانا يَفْعَلُ بِالأَلْبابِ ما لا تَفْعَلُهُ نَغْمَةُ الشَّبَابَةِ، وَأَرْشَفَتْهُ سلافًا كُؤوسها الحُروفٌ وكُلُّ نُقْطَةٍ حَبَابَةٌ؛ وشاهَدَ أَوْصَافَ هَذِهِ الأَيَّامِ المُبارَكَةِ القدومِ، المُتَّصِلَةِ الظَّلامِ، فلا أَوْحَشَ اللهُ مِنْ طَلْعَةِ الشَّمْسِ وَحاجِبِ الهِلَالِ وعُيونِ النجوم؛ فَما لَنا ولِهَذِهِ السَّحائِبِ السَّحَابَةِ، والغَمائِمِ السَّكَّابَةِ، والرُّعودِ الصَّحَابَةِ، والبروقِ اللَّهَابَةِ، والثلوج التي أَصْبَحَتْ بِحَصْبائِها حَصَّابَةٌ، والبَرْدِ الذي أَمْسَتْ إِبَرُهُ لِغُصُونِ الجُلُودِ قَطَّابَةٌ، والزِّمِّيتاء (١) التي لا تَرْوِي عن أبي ذَرِّ إلا ويَرْوِي الغَيْثُ عن أَبي قِلابَة؛ كُلَّما أَقْبَلَتْ فَحْمَةٌ ظَلام، قَدَحَتْ فِيهَا البَوارِقُ شَرَارَ جَمْرَتِها، وكُلَّمَا جَاءَتْ سحابَةُ كَحْلاءُ الجُفونِ، رَجَعَتْ مَرْهاءَ لِما أَسْبَلَتْهُ من عبْرَتِها؛ فَما هذا شَهْرُ طُوبَةٍ (٢)، إِنْ هذا إِلا جَبَلُ ثَهلان، وما هذا كانُونُ، إِنْ هذا إلا تَنُّورُ الطُّوفانِ، فَإِلَى مَتَى قُطْنُ هَذِهِ الثلوج يُطْرَحُ على جِبابِ الجِبالِ؛ وإلى متى تُفاضُ دِلاصُ الْأَنْهَارِ وَيَرْشُقُها قَوْسُ قُزَحَ بِالنِّبَالِ؟ وإلى متى تُشَقَّقُ السَّحابَ ما لها من الحُلَلِ والحِبَرِ؟ وَإِلَى مَتَى تُرْسِلُ خُيوط


(١) الزميتاء: الوقور. (اللسان).
(٢) طوبة: الخامس من شهور القبط، ويبدأ في الخامس والعشرين من كانون الأول. (الأزمنة والأنواء ١٤٣).

<<  <  ج: ص:  >  >>