للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

التخريج:

ألحان السواجع ١/ ١٥٢ - ١٥٥، الوافي بالوفيات/ ٨/ ٢٥٧ - ٢٦٠، أعيان العصر ١/ ٤٢٧ - ٤٢٩، مسالك الأبصار ١٢/ ٥٠٢.

[٢]

قال الصفدي:

فكتب [العمري] الجَوابَ أَيضًا عن جوابي:

ويُنهي ورودَ جَوابِهِ الكَرِيمِ، فَوَقَفَ عليهِ، وَتَيَمَّنَ لِمُجَرَّدِ إِقْبَالِهِ إِلَيهِ، وَقَبَّلَهُ لِقُرْبِ عَهْدِهِ بِيَدَيْهِ، وَأَعَدَّهُ لِجَلاءِ المَرَهِ، فَأَمَرَّهُ على عَيْنَيْهِ، وَشَكَرَهُ وَإِنْ لَمْ تَزَلْ حَقَائِبُ الشُّكْرِ مَحْطُوطَةً لَدَيْهِ، لا بَرِحَ الشَّهْدُ من جَنى رِيْقِهِ المُعَلَّلِ، والطَّرَبُ بِكَأْسِ رَحِيقِهِ المُحَلَّلِ، والتيه - وحاشاه مِنْهُ - في سُلُوكِ طَريقِهِ المُذَلَّلِ، والسَّحابُ لَا يَطِيرُ إِلَّا بِجَناحِ نَعْمَائِهِ المُبَلَّلِ، والرَّوْضُ لا يَبْرُزُ إِلا فِي ثَوْبِ زُخْرُفِهِ المُجَلَّلِ، وَالبَرْقُ لَا يَهْتَزُّ إِلَّا فِي مُسْبَلِ رِدائِهِ المُشَلَّلِ، والجَهْدُ ولو كَلَّفَ لا يجيءُ بِمِثْلِ سَيْرِهِ المُذَلَّلِ، والنَّصْرُ يَقْضِي لِمَواضِيْهِ على حَدٌ حُسَامِهِ المُفَلَّلِ، والفَجْرُ لولا بَيانُهُ الوَضَّاحُ لَما أَرْشَدَ لَيْلَهُ المُضَلَّلَ، والبَحْرُ لَوْلا عِرْقٌ مِنْ حَياءِ كَرَمِهِ الزَّاخِرِ لَما ذَمَّ على غَزَرِ المادَّةِ نَوالَهُ المُقَلَّلَ، وَالفَخْرُ وَإِنْ شَمَخَ أَنْفُهُ لا يُنافِسُ عِقْدَهُ المُوَشَّحَ ولا يَتَطاوَلُ إِلى تاجِهِ المُكَلَّلِ؛ وفَهِمَهُ فَهَامَ، وَاقْتَبَسَهُ فَجَلا الأَوْهَامَ، وَنَظَرَ فِيهِ فَزادَ صِقَالَ الأَفهام، وقَصَّرَ عن إِدْرَاكِهِ فَمَا شَلَّ أَنَّهُ إِلْهَامُ، وانْتَهَى فِيهِ إِلى الجَوابِ فِي وَصْفِ أَنْواء تِلكَ اللَّيْلَةِ الماطِرَةِ، وما مَوَّهَتِ السُّحُبُ مِنْ ذَهَبِ بَرْقِها، وفَتَلَتْهُ الأَنْواء من خُيوطِ وَدْقِها، ونَفَخَتْ فِيهِ الرِّياحُ من جَمْرِ كَانُونِها، وأَظْهَرَتْهُ حَقِيقَةُ الرعود من سِرِّ مَكنونها، وما بَثَّتْهُ عارِضَةُ ذلك العارِضِ المُمْطِرِ الذي هو أقوى من شابِيْبِها، وأَوْفَى مِمَّا أَرْقَتْهُ السَّماءُ من جَلَابِيبِها، وأَسْرى من بَرْقِها المُومِضِ في غَرَابِيْبِها، وَأَسْرَعُ من سُرى رِياحِها، وقَد جَمَعَتْ أَطواقَ السَّحائِبِ وَأَخَذَتْ بِتَلَابِيْبِها.

وَسَبَّحَ المَملوك من عَجَبٍ لِهَذِهِ البَلاغَةِ التي كَمَّلَتِ الفَضائِلَ، وَفَضَلَتْ عن العِلْمِ وفي الرَّعِيلِ الأَوَّلِ عِلْمُ الأَوائِلِ، وفَضَّلَتْ مُبْدِعَها وحُقَّ لَهُ التَّفْضِيلُ، وَآتَتْهُ جُمْلَةَ الفَضْلِ وفي ضِمْنِها التَّفْضِيلُ، وأَنْطَقَتْ لِسانَ بَيانِهِ وأَخْرَسَتْ كُلَّ لِسَانٍ، وَأَجْرَتْ قَلَمَ كَرَمِهِ وَأَحْرَزَتْ كُلَّ إِحْسَانٍ، وَنَشَرَتْ عَلَمَ عِلْمِهِ وأَدْخَلَتْ تَحْتَهُ كُلَّ فَاضِلٍ، وأَرْهَفَتْ شَبَا حَدِّهِ وقَطَعَتْ بِهِ كُلَّ مُناظِرٍ ومُناضِلٍ؛ وقالَتْ ِللسَّحابِ وقد طَبَّقَ: إِليكَ، فَإِنَّ البَحْرَ قد جاءَكَ، ولِلنَّوْءِ وَقد أَغْدَقَ: تَنَحَّ، فَإِنَّ هذا قد حَصَرَ أَرْجَاءَكَ، ولِلرَّعْدِ وقد صَرَخَ: اسْكُتْ، فَقد آنَ لِهَذِهِ الشَّقَاشِقِ أَنْ تَسْكُتَ، ولِلْبَرْقِ وقد نَسَخَ آيَةَ اللَّيْلِ: اسْتَدْرِكْ غَلَطَكَ لِئَلَّا تُبَكَّتَ.

<<  <  ج: ص:  >  >>