لا غرو أَنْ يَسقِي ثَرَاه وقَبْرَهُ … باقٍ ليوم العرض تحت العارض
ومنهم:
[١٠٧] أَبُو القَاسِمِ بْنُ مَنصُور بن يحيى المَكِّيُّ الاسكندري المعروف بالقباري (١)
حط رجله بالآخرة وأناخ، ولم يتخذ الدنيا غير مناخ، فلم يأنس من أهلها بقبيل. ولا سلك في سبلها إلا عابر سبيل، لعدم اغتراره ببرقها الجهام، وفرط حذاره من رشقها بالسهام، فلم يستطب فيها الملاذ، ولم يستطل بها العود والملاذ، وأقام لا يرشف من ورد زلالها ريقا، ولم يقبل من برد ظلالها طريقا.
وكان أحد العباد المشهورين بكثرة الورع والتحري في المأكل والمشرب والملبس، معروفًا بالانقطاع، والتخلي، وترك الاجتماع بأبناء الدنيا، والإقبال على ما يعنيه من أمر نفسه، وطريقه الذي سلكه، قل أن يقدم أحد من أهل زمانه عليه من خشونة عيشه، وما أخذ به نفسه من الوحدة، وعدم الاجتماع بالناس، والجد، والعمل، والاحتراز من الرياء، والسمعة، لا يعلم في وقته من وصل إليه، وكانت الملوك ومن دونهم يقصدون زيارته، ورؤيته، والتبرك به، فلا يكاد يجتمع بأحد منهم، وأخباره في الورع والعبادة مشهورة.
وكان مقيمًا بجبل الصيقل بظاهر الاسكندرية، وبه مات، ولم يزل عمره كله على قدم واحدة في الاجتهاد والعبادة، وقلة المبالاة بعيشه كيف كانت، ودنياه كيف نقصت، متقللًا من قليلها بجهده، مقبلًا على الآخرة بكليته، يتصدق بفضله، ويواسي في كفافه، ويؤثر من قوته، إلى كرم عزيز، وقنع باليسير.
ومما حكي عنه من الورع أنه لما رأى ما ينال الناس من الظلم في كرى الخليج
(١) ترجمته في: ذيل الروضتين ٢٣١، وذيل مرآة الزمان ٢/ ٣١٥ - ٣١٦، وتكملة إكمال الإكمال لابن الصابوني ٢٧٢، ٢٧٣ رقم ٢٦٥، وزبدة الفكرة ٩ ورقة ٦٨ ب، والمشتبه في أسماء الرجال ١/ ٤١٤ و ٤٣١، ودول الإسلام ٢/ ١٦٨، والعبر ٥/ ٢٧١، والإعلام بوفيات الأعلام ٢٧٧، وتذكرة الحفاظ ٤/ ١٤٤٣، والإشارة إلى وفيات الأعيان ٣٥٩، وتاريخ ابن الوردي ٢/ ٢١٧، ومرآة الجنان ٤/ ١٦٠، والوافي بالوفيات ٥/ ٧٦ رقم ٢٠٧٠، والبداية والنهاية ١٣/ ٢٤٣، ٢٤٤، وعيون التواريخ ٢٠/ ٣١٦ - ٣١٧، وتوضيح المشتبه ٧/ ١٦٦ و ٢٤٧، والسوك ج ١ ق ٢/ ٥٢٣، وتاريخ الخلفاء ٤٨٣، وشذرات الذهب ٥/ ٣١٢ وفيه النسبة: «القياري»، والقاموس المحيط للفيروز أبادي (مادة (قبر)، تاريخ الإسلام السنوات ٦٦١ - ٦٧٠ هـ) ص ١٢٢ - ١٤٠ رقم ٨٣.