إياه. قال: فسكت عني، ولم يُجبني بشيء، وأوهمني أنه ربما علمني، ثم سكت عني ستة أشهر، فلما كان بعد ذلك، قال لي: يا أبا يعقوب! أليس تعرف فلانًا صديقنا بالفسطاط؟. وسمى رجلًا، فقلت: بلى. قال: فأخرج لي من بيته طبقًا فوقه مكبة مسدودة بمنديل، وقال: أوصل هذا إلى من سميت لك بالفسطاط. قال: فأخذت الطبق لأوديه، فإذا هو خفيف، كأنه ليس فيه شيء، قال: فلما بلغت الجسر الذي بين الفسطاط والجيزة، قلت في نفسي: يوجه ذو النون بهدية إلى رجل في طبق ليس فيه شيء؟ لأبصرن ما فيه؟. قال: فحللت المنديل، ورفعت المكبة، فإذا فأرة قد طفرت من الطبق فذهبت. قال: فاغتظت، وقلت: يسخر بي ذو النون؟ ولم يذهب وهمي إلى ما أراد في للوقت. وعرف القصة، وقال: يا مجنون! ائتمنتك على فأرة فخيبتني، فكيف أأئتمنك على اسم الله الأعظم؟ قم عني فارتحل، ولا أراك بعدها، فانصرفت عنه.
ومنهم:
[١٠٣] أبو بكر، أحمدُ بنُ نَصْرِ الزَّقَّاقِ الكَبِيرُ (١)
أخذ من الدنيا بقصاصها، وسهر الليالي والكواكب تنظر الأيام من أخصاصها. وقام على قدم العبادة ثم ما زال، ولا زال وللشمس كل يوم زوال، فصار ذلك دأبًا له لا يتكلفه، وديدنا ضرب له موعد لا يخلفه، هذا إلى استجلاب خواطر، واستنزال مواطر، وفتح قلوب مقفلة ضاعت مفاتيحها، وتنوير بصائر ما أضاءت مصابيحها، وإرشاد طائر، وقول حق في دهر هو السلطان الجائر، فاتسع تصريفه، وسمع منه ما يجري به القلم وصريفه. وكان من أقران الجنيد، وأكابر مشايخ مصر.
قال الكتاني: لما مات الزقاق انقطعت حجَّةُ الفقراء في دخولهم مصر.
ومن كلامه:«من لم يصحبه التقى في فقره أكل الحرام المحض».
وقال: «جاورت بمكة عشرين سنة، فكنت أشتهي اللبن، فغلبتني نفسي، فخرجت إلى عسفان واستضفت حيًا من أحياء العرب، فنظرت إلى جارية حسناء، بعيني اليمنى، فأخذت بقلبي!، فقلت لها: قد أخذ كلُّكِ كُلِّي، فما في لغيرك مطمع. فقالت لي: تقبح بك الدعاوى العالية، لو كنت صادقًا لذهبت عنك شهوة
(١) ترجمته في: صفة الصفوة ٢/ ٤١٥، اللباب ٢/ ٥٠٥، الطبقات الكبرى للشعراني ١/ ٨٩، جامع كرامات الأولياء ١/ ٢٩١، طبقات الصوفية للمناوي ٢/ ٤٧، طبقات ابن الملقن ٩١، الرسالة القشيرية ٥٦.