للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الواصل إلى الاسكندرية من النيل، أعرض عن مائه، وحمله التدقيق في الورع على أن حفر له بئرًا كان يشرب منها، وينقل الماء منها بالجرار على دابة ليسقي بستانه، وكان إذا وجد رطبة ساقطة تحت نخلة ولم يشاهد سقوطها منه، لا يرفعها، ولا يأكلها، لاحتمال أن طائرًا جناها من نخل غيره، وسقطت منه تحت نخلة. وبالجملة لم يخلف بعده مثله.

وحكى علي بن حمزة النقيب، عن أبي المظفر يوسف بن عبد العزيز الدمنهوري، قال: أتيت الشيخ أبا القاسم وتهيبته أن أطرق عليه الباب، فوقفت لعلي أجد من يستأذن لي عليه، فسمعته يبكي وينشد: [من الخفيف]

كيف بُرْئي وداء وجُدِي عُضالُ … ونهوضي وعثرتي لا تُقال

وعزيز على أهون شيء … في هَواه ما قالت العذال

يا نسيم الشمالِ مِنْ أَرضِ نَجْدٍ … فيكَ للصَّبٌ صِحَةٌ واعتلال

لي بالجَزْعِ حاجة ليسَ تُقضَى … وغَريمٌ يَلَذْ مِنْهُ المِطالُ

يا لَقَومي كم ذا تُسَلُّ سُيُوفٌ … لِقتالي وكمْ تُرَاسُ نِبال

أنتِ أحلى في القلب من أمل القلـ … ـب إذا ما تناهتِ الآمال

قال: ولم يزل يرددها وهو يبكي ويشهق، حتى خفت عليه، فطرقت عليه الباب، فقطع إنشاده وسكن زفراته، وغيض عبراته، ثم أذن لي، فدخلت عليه، فقال: لعلك سمعت شعرًا كنت أنشده؟ فقلت: كان ذلك، ولقد خشيت عليك والله مما كنت فيه.

فقال: يا هذا، تذكرت عشقة منذ عهد الصبا أنا إلى الآن في سكرها، وربما كانت في وقت أشد من وقت، والعاقل يستروح بمثل ما رأيت من أرواح الأشعار، وأنفاس الأشجار، وسألتك الله إلا ما كتمت. قال: فوالله ما ذكرتها حتى مات.

وتوفي ليلة الاثنين سادس شعبان سنة اثنتين وستين وستمائة، ببستانه بجبل «الصيقل»، بظاهر الاسكندرية، ودفن به، بوصية منه، وقبره يزار ويتبرك به. وبيع الأثاث الموجود في منزله، وقيمته دون خمسين درهمًا وَرِقًا، بما يزيد عن عشرين ألف درهم نُقْرَة، تزايد الناس فيه رجاء البركة حتى بلغ الإبريق الذي كان يستعمله ويتوضأ فيه للصلاة جملة كبيرة، وقيمة مثله لا يبلغ ثلاثة فلوس. وقد رأيت خرقة من أثره عند بعض المصريين، وذكر أنها بيعت في أثاثه بمائة وعشرين درهمًا.

ومنهم:

<<  <  ج: ص:  >  >>