للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

شَرِبنا على ذِكْرِ الحَبيبِ مُدامةٌ … سَكِرنا بها مِنْ قَبْلِ أَنْ يُخْلَقَ الكَرْمُ

لها البدر كأس وهي شمس يُديرها … هِلَالٌ وكُمْ يبدو إذا مُزِجَتْ نَجْمُ

ولم يبق منها الدهر غيرَ حُشَاشَةٍ … كأَنَّ خَفَاها في صُدُورِ النُّهى كَتْمُ

فإن ذُكرت في الحي أَصْبَحَ أهلُهُ … نشاوى ولا عار عليهم ولا إثم

ومن بين أحشاء الدنان تصاعدت … ولم يبقَ منها في الحقيقة إلا اسم

وإن خطرت يومًا على خاطر امريء … أقامت به الأفراح وارتحل الهم

ولو نظر الندمانُ خَتْمَ إنائِها … لأسكرَهُمْ مِنْ دُونها ذلكَ الخَتْمُ

ولو طرحوا في في حائط كَرْمِها … عَليلًا وقد أشفى، لفارقه السُّقْمُ

ولو قرَّبوا مِنْ حانِها مُقعَدًا مَشَى … وَيَنطِقُ مِنْ ذكرى مذاقتها البُكُمُ

ولو عبقت في الشرق أنفاسُ طِيبِها … وفي الغَربِ مَزكوم لعاد لهُ الشَّم

ولَوْ خُضِبَتْ مِنْ كَأْسِها كفُّ لامِسٍ … لَمَا ضَلَّ في ليل وفي يده النجم

ولو جُليتْ سِرًا على أَكْمَةٍ غَدًا … بَصيرًا ومِنْ رَاووقها تسمعُ الصُّمّ

ولو أنَّ رَكْبًا يمموا تُرْبَ أَرضِها … وفي الركب مَلسُوعٌ لَمَا ضَرَّه السُّمُّ

ولَوْ رَسَمَ الراقي حُروف اسمها على … جبينِ مُصاب جُنَّ، أَبَرأَهُ الرَّسْمُ

تُهذّب أخلاق الندامى فيهتدي … بهالطريقِ العَزمِ مَنْ لا لَهُ عَرْمُ

ويَكْرُمُ مَنْ لَمْ يَعرفِ الجُودَ كَفُّهُ … ويَحْلُمُ عندَ الغَيظُ مَنْ لا لَهُ حِلْمُ

ولو نالَ قَدْمَ القَوم لثم مُدامها … لأكسبَة مَعْنى شمائلها اللثْمُ

يقولون لي صفها فأنت بوصفها … خَبِيرٌ، أجل، عندي بأوصافها عِلْمُ

صفاء، ولا ماء، ولطف ولا هوا … ونُورٌ ولا نار، ورُوحٌ ولا جِسْم

تقدَّم كل الكائناتِ وجُودُها … قَديمًا ولا شَكْلُ هُناكَ ولا رَسْمُ

وقامت بها الأشياء ثم لحكمة … بها احتجبتْ عَنْ كُلِّ مَنْ لا لَهُ فَهُمُ

وهامت بها روحي بحيثُ تمازجًا أنـ … ـحادًا ولا جرم تخللهُ جِرْمُ

فخمر ولا كرم وآدم لي أبٌ … وكَرْمٌ ولا خَمْرٌ ولي أُمَّها أَمّ

وقد وقع التفريق والكلُّ واحد … فأرواحنا خَمْرٌ وأَشباحنا كَرْمُ

محاسنُ تَهْدِي الواصفين لوصفها … فيحْسُنُ فيها منهم النثر والنظم

ويَطْرَبُ مَنْ لمْ يدرِها عند ذكرها … كمشتاق نُعْم كلما ذُكرت نُعم

وقالوا: شربت الإثم كلًا وإنما … شربتُ التي في تركها عندي الإثم

هنيئًا لأهلِ الدَّيْرِ كم سكَنَوا بها … وما شَرِبوا منها ولكنَّهمْ هَمُّوا

فعندي منها نشوةٌ قبلَ نَشأَتي … مَعي أبدًا تبقى وإِنْ بَلِيَ العَظْمُ

<<  <  ج: ص:  >  >>