يخطب يوم الجمعة، وشخص يغني، فنوى إقامته وتأديبه، فلما انقضت الصلاة، وانتشر الناس وأراد ابن الفارض الخروج، ناداه ذلك الرجل: أن أقبل!، فلما وقف عليه أنشده: [من الكامل]
قَسَمَ الإله الأمر بينَ عِبادِهِ … فالصَّبُّ يُنشِدُ والخَلِيُّ يُسبِّحُ
ولعمري التسبيح خير عبادة … للناسكين وذا لقوم يَصْلُحُ
وكان هذا سبب زهده.
مولده: في الرابع من ذي القعدة سنة ست وسبعين وخمسمائة بالقاهرة.
وتوفي بها يوم الثلاثاء ثاني جمادى الأولى سنة اثنتين وثلاثين وستمائة، ودفن من الغد بسفح المقطم. وأبوه يعرف بالفارض؛ لأنه كان يكتب الفروض للنساء على الرجال. ومن مختار شعره (١): [من البحر الكامل]
أرجُ النسيم سَرَى مِنَ الزوراء … سَحَرًا فأحيا ميت الأحياء
أهدى لنا أرواح نجدٍ عَرْفُهُ … فالجَرُّ مِنهُ مُعَنْبَرُ الأَرجاء
وروى أحاديث الأحِبَّةِ، مُسندًا … عَنْ إذخر بأذاخر وسحَاءِ
فَسَكِرْتُ مِنْ رَيَّا حَوَاشي بردِهِ … وسَرَتْ حُميا البرء في أدوائي
يا ساكني البطحاء هلْ مِنْ عَودَةٍ … أَحيا بها، يا ساكني البطحاء؟
إن ينقضي صَبْري فليس بمنقَضِ … وجدي القديم بكم ولا برحائي
ولئن جفا الوَسْمِيُّ ماحِلَ تُرْبِكُمْ … فَمَدامعي تربي على الأنواء
يا لائمي في حُبِّ مَنْ مِنْ أجلِهِ … قَدْ جدَّ بي وجدي وعَزَّ عَزائي
هلًا نَهاكَ نَهاكَ عَنْ لوم امريء … لمْ يُلْفَ غير منعم بشقاء
لو تدري فيم عذلتني لعَذَرتَني … خَفِّضْ عليك وخلني وبلائي
أسعد أخيَّ وغَنِّ لي بحديثِ مَنْ … حَلَّ الأباطحَ إن رَعَيتَ إخائي
وكَفَى غرامًا أَنْ أَبِيتَ مُتيّمًا … شوقي أمامي والقضاء ورائي
وقوله (٢): [من الكامل]
أوميضُ برق بالأبيرق لاحا … أم في رُبَى نَجْدٍ أَرى مُصباحا
أم تلك ليلى العامرية أسفرت … ليلًا فصيَّرت المساء صباحا
يا ساكني نجد أما مِنْ رَحمةٍ … لأسير إلف، لا يُريد سراحا
(١) ديوانه ١١٧ - ١٢٢.
(٢) ديوانه ١٢٣ - ١٢٥.