للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

مَنْ ذا الذي ما سَاءَ قَطْ … ومَنْ لهُ الحُسْنَى فَقَدْ

قال: فسمع قائلًا، ولم ير شخصه، وقد أنشد: [من مجزوء الرجز]

محمد الهادي الذي … عليه جبريلُ هَبَط

وله ديوان شعر لطيف، وأسلوبه فيه رائق لطيف، ينحو منحى طريقة الفقراء، وله قصيدة مقدار ستمائة بيت على اصطلاحهم، وكان يقول: عملت في النوم بيتين، وهما (١): [من مجزوء الكامل]

وحيَاةِ أشواقي إليـ … ـكَ وحُرمةِ الصَّبر الجميل

لا أبصرت عيني سوا … ك ولا صبَوْتُ إلى خليل

وحكى أنه لما رأى السهروردي بمكة أنشده بديهًا: [من البسيط]

في حالة البعد روحي كنتُ أُرْسِلُها … تقبّلُ الأرضَ عَنِّي فهي نائبتي

وهذه نوبة الأشباح قدْ حَضَرَتْ … فامْدُدْ يَمَينَكَ كي تحظى بها شفتي

ويحكي أنه رأى جملًا هام به وكلف، وكان الجمل لرجل سقاء يسقي عليه، وكان الشيخ يأتي المورد كل يوم ليراه.

قلت: وحكى لي شيخنا شهاب الدين أبو الثناء محمود، قال: قدم ابن الفارض، فنزل بمسجد مهجور في آخر باب القرافة، ومعه خادم له، فبقيا ثلاثة أيام لم يطعما طعامًا، فعظم بالخادم الجهد والسغب، فأتى رجل من الأمراء المسجد، فصلى فيه، ثم رمى إلى الشيخ بخرقة فيها عشرة دنانير، ففرح الخادم وهم بأخذها، فمر سائل، فقال له الشيخ: أعطه الذهب، فقال: لو خلينا منه ما نأكل به؟!. فقال: أعطه الذهب، فأعطاه. فلم يمض السائل حتى أتى آخر يسأل عن الشيخ، فلما رآه سلم وقال: أريت البارحة في النوم من دلني على مكانك، وأمرني بالمسير إليك، ودفع إليه خرقة مثل تلك الخرقة فيها مائة دينار، فقال الشيخ لخادمه: إن شئت فخذ هذا الذهب وانصرف عني، فقال: لا والله لا تبعتك بهذا، فقال: بارك الله فيك، قم فاشتر بدينار حصرًا لهذا المسجد، وبدينار ما أحببت من الأكل، وتصدَّق بالبقية، ففعل، وأتى بأنواع من الشواء والحلواء، وغير ذلك، فأكل، واقتصر الشيخ على أكل كسرة، وبقل، وقال: لو لم تحل لي الميتة لم آكل!. ثم أقام ثلاث سنين لا يأكل إلا بعد كل ثلاثة أيام أكلة واحدة، غير باغ ولا عاد.

وحكي أن ابن الفارض كان قاضيًا؛ فأتى يومًا المسجد الجامع، والخطيب


(١) ديوان ابن الفارض ١٨٢.

<<  <  ج: ص:  >  >>