اللغة عنفًا، حتى جعل الغريب قريبًا، والحوشي ربيبًا، وأتى بها إلى الحاضرة قسرًا من باديتها، وقهرًا لها في تأديتها، فعادت إلى الحسنى، ورق كلامها، ودق حتى خفي أكمامها. وله رسائل حوشية كتبها؛ لتدلّ على غزارة مادته، وإنارة جادته، وقد أضربت عن ذكرها صفحًا، ولم أسمع لها صَدْحًا؛ لثقل وطأتها على الأسماع، وشدّة منافرتها للطّباع، كأنها كلام النائم، ونقيق الضفادع في الليالي العواتم، تظن أنها ليست مركبةً من الحروف، ولا دالة على معنى معروف، على أنَّ له في أخر ما يخف، ولكنه مما لا يشف، ولا يندى ورقه، ولا يرق، فلذلك أيضًا ألغيتها، وأعرضت عنها، فما أردتها، ولا ابتغيتها.
كان من أعيان العلماء، ومشاهير الفضلاء، متقنًا لعلم الحديث النبوي، وما يتعلق به، عارفًا بالنحو واللغة وأيام العرب، وأشعارها. اشتغل بطلب الحديث في أكثر بلاد الأندلس الإسلامية، ولقي بها علماءها ومشايخها، ثم رحل منها إلى بر العدوة، ودخل مراكش، واجتمع بفضلائها، ثم ارتحل إلى إفريقية، ومنها إلى الديار المصرية، ثم الشام والشرق والعراق وسمع ببغداد من بعض أصحاب ابن الحصين،
ودخل عراق العجم وخراسان، وما والاها، ومازندران؛ كل ذلك في طلب الحديث والاجتماع بأئمته، وأخذ عنه وهو في تلك الحال، وقدم مدينة إربل سنة أربع وستمائة، وهو متوجّه إلى خراسان، فرأى صاحبها الملك المعظم مظفر الدين مولعًا بعمل مولد النبي ﷺ عظيم الاحتفال به فعمل له كتابًا سماه «التنوير في مولد السراج المنير»، وقرأه عليه بنفسه وختمه بقصيدة طويلة فأعطاه المعظم ألف دينار، وله عدة تصانيف.
وتوفي يوم الثلاثاء رابع عشر شهر ربيع الأول سنة ثلاث وثلاثين وستمائة بالقاهرة، ودفن بسفح المقطم.
ومولده في مستهل ذي القعدة سنة أربع وأربعين وخمسمائة.
* * *
وإيضاح المكنون ١/ ١٠٣ - ١٠٤، و ٢/ ٤٦٥، ٦٩١، وهدية العارفين ١/ ٧٨٦، ومعجم المؤلفين ٧/ ٢٨٠ - ٢٨١، ومعجم طبقات الحفاظ والمفسرين ١٣٤ رقم ١١٠٢ وفيه: «عمر بن حسان»، والأعلام ٥/ ٢٠١ تاريخ الإسلام (السنوات ٦٣١ - ٦٤٠ هـ) ص ١٥٧ رقم ١٩١.