للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

حجلاتها، وقرر في الأرض وتدها، وطلعت البدور في أكلتها، ورتعت الظباء في مشارق أهلتها. وحولهم خيول تحمي حجبها، وترمي إزاء البيوت سحبها، وتعرف بين العرب الأتراب عربها، وتعرض في الشهب الحسان نخبها من كرائم الخيل المبخورة، وعظائم السيل معنى وصورة. قد تمايلت ألوانًا، وتقابلت في مناسب الخيل إخوانًا، وتنوعت شياتها فبرزت بستانًا. وتسرعت أعوجياتها السوابق فقصر مدى لاحق، وتقدمت قدامه ميدانًا. وتفرعت من أصول العرب في ربيعة ومضر، وتبرعت بما لا يلزمها فمنها ما انتظر ما خلفه، ومنها ما فات النظر. وتقدمت وامهلت وراءها الرياح، وأقدمت وأنهلت ظمأها مورد الصباح. ومرّ كل طرفٍ منها وَطَرَفُ البرق حائر، ومد وجوار المجرة ما فيها طريق لسائر. وحفت والطير في كناتها لم تبرح. ووفت والوحوش في مكان بياتها لم تسرح. تمت كأنها كثبان وهمت كأنها عقبان. قد صلدت حوافرها كأنها قعب حالب، وصلدت مشاعرها كأنها وجه عاتب. واتسع منخرها كأنه وجار ثعالب. وارتفع مؤخرها كأنه ربوة مراقب. وطال غرتها كأنه انتظار غائب. ومالت نواصيها كأنّها عقود ترائب. ودق منخرها كأنه طرف قاضب. ورق أديمها كأنّه حديث حبائب. واتسع ذيلها كأنه ذيل راهب. وتلبد مغرزها كأنه إقعاء أرانب. وقصر عجب ذنبها كأنه بقاء ذاهب ونهد موضع لببها كأنه نهد كاعب. ونتأ صدرها كأنه نهضة واثب. وولولت آذانها كأنها أقلام كاتب. ولانت شعرتها كأنما عليها لوف سليط ذائب. ولانت عريكتها كأنها للتأديب لعبة لاعب. ونظرت نظر حاذر، وتلفتت التفات ربائب. وأشبهت الوحش والطير فطورًا تحلق وطورًا تواثب. وقد برزت شهبًا ودُهمًا وحمرًا وشقرًا وصفرًا وخضرًا وما بين هذه الألوان، وما بين صنوان وغير صنوان قد رتعت كالظبا، ورفعت كالخبا، وطلعت كالكواكب، وتطلعت كالرقبا. وجالت أمام بيوت الحي تهز ثندوة عطفه، وخطوة فارسه المعلم في موقف صفه. فكم ترى من سابق وسابقة توافقا فلم تر أيهما سليلة سابقين تناحلاها، ولا بأيهما تعقد الظبية الأدماء طلاها، ولا أيهما بلغ السما واغتصب النجوم حلاها. ولا أيهما الموصوف في كرائم الخيل. ولا أيهما ابترد برداء النهار أو أطاح رداء الليل. من حصون كالحصون الشوامخ تتحصن على صهواتها، ويتحصل الظفر ولا تروى فواغر لهواتها. قد اشتدت مبانيها الوثيقة. وتشيدت فكانت حصونًا لاحصنًا على الحقيقة. ومن حجر كالحجر بل شيء أشد من الحجارة، وأشد من السهم في مهاجمة الغارة. قد تبرجت تبرج الحسان، وتخرجت تخرج الكاعب وبرزت للفرسان. وأقبلت في ميدانها تتمطر. وجالت وعنانها لا يزيد على أن يتخطر. كلاهما محفوظ النسب، ملحوظ الحسب محظوظ البحث لا عن غير سبب. فمن قرطاسية بيض

<<  <  ج: ص:  >  >>