و «لا تصلح إلا عليهم العرب»(١). قد ضربوا على الأرض نطاقًا، وتفرقوا فجاجها حجازًا وشامًا وعراقًا. أنَّى نزلوا خلت الأرض قد رمت أفلاذها، أو السماء قد مرت رذاذها، ترتج بخيولها صهيلًا، وتحتج بسيوفها على الرقاب صليلًا. تجمع قنابل، وتلمع مناصل، وتنبت قنًا، وتميت فتنًا. قد نصبوا بمدرجة الطريق خيامهم، وأوقروا في عالم الأسماع أعلامهم، أنَّ الكرم أعلامهم. وتقارعوا في قرى الضيفان (٢)، وسارعوا إلى تقريب الجفان. قد داروا على البلاد أسوارًا حصينة، وسوارًا على معصم كل نهر، وعقدًا في جيد كل مدينة، وأحاطوا بالبر من جميع أقطاره، وحالوا بين الطير المحلق وبين مطاره، وحفظوه من كل جهاته، وحرسوه من سائر مواضعه وآفاته، وصانُوهُ من كل طارق يتطرّق، وسارق يتسلل أو يتسرق. فلا تبصر إلا مرسي خيام، ومسرى هيام ومورد كرام، وموقد ضرام ومقعد همام، ومعقد ذمام، ومجال غمام، وآجال رزق أو حمام، ومعهد أيادٍ جسام، ومشهد يوم يرعف به أنف قناة أو حسام، وتكبير وتكثير صلاتٍ، ومكان مفزع، وأمان من يجزع. وملجأ خائف، وملجم حائف، وسجايا ملكية، وعطايا برمكية، ومواهب طائية، ومذاهب حاتمية، وبوادر ربيعية، ونوادر مرعية. وصوارم تنحس بذيلها الرقاب، ومكارم تتحسس على آثارها السحاب. لا يطرق لهم غاب، ولا يطرق لهم بذل رغاب. ولا يطرح لهم بيت مضيف، ولا يطيح إلا إليهم تابع، مشتى، ومصيف لا يخلو ناديهم عن سيد مسود، وكريم مقدم، وشجاع بطل، وجواد كريم، وحليم وقورٍ، ووافد آمل، وقاصد بنائلٍ، وصارخ ملهوف، وهارب مستجير. لا تنفك لهم نار قرى وقراع، ومنار مني ومناع، يسرح عدد الرمل لهم إبل وشاء، ومدد البحر ما يريد المريد منهم ويشاء. تطل منهم على بيوت قد بُنيت بأعلى الربى وبلغت السحاب وعقدت عليهم الحبي. قد اتخذت من الشعر الأسود، وبطنت بالديباج والحرير والوشي المرقوم، وفرشت بالمفارش الرومية، والقطائف الكرجيَّة، ونُضّدت بها الوسائد، وقامت حولها الولائد. وشُدَّت بوتِدِ السماء أطنابها، وأُعِدَّتْ لطوالع النجوم قبابها، وأرخيت سجفها، وشرعت أبوابها إلى الهواء، واستصرخت واستغيث بها لدفع اللأواء، ورفعت عمدها، ووضعت
(١) عَجُز بيت لعبد الله بن قيس الرقيات، البيت هو: وأمهم معدن الملوك فلا … تصلح إلا عليهم العرب «ديوانه ٤». (٢) حل قول الشاعر: نصبوا بمدرجة الطريق خيامهم … يتقارعون على قرى الضيفان