للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قلت (١): هذا البيت أوله رجل من طيئ من بني سلسلة بن عنين بن سلامان. نشأ هذا الرجل في أيام أتابك زنكي، وأيام ولده نور الدين الشهيد كما تقدم وفد عليه فأكرمه، وشاد بذكره. وإلى هذا عنين ينتسب كلُّ عرب عنين (٢) من كان من ولده أو من حلفائه، أو من استخدمه الأمراء الذين من ولده. وجد مهنا هذا ابو أحمد الأمير الآن هو الأمير مانع بن حديثة بن فضل بن ربيعة الطائي الشامي التدمري، وكان أمير عرب الشام في دولة طغتكين صاحب دمشق، ولم يصرّح لأحدٍ من هذا البيت بإمرة على العرب بتقليد من السلطان إلا من أيام العادل أبي بكر أخي السلطان صلاح الدين أمر منهم حديثة. ثم إن ابنه الكامل قسم الإمرة نصفين، نصفًا لمانع بن حديثة، ونصفًا لغنام أبي طاهر بن غنام. ثم إنّ الإمرة انتقلت إلى أبي بكر بن علي بن حديثة، وعلا فيها قدره، وبعد صيته. فلما كان من البحرية ما كان ساقت تصاريف الدهر الملك الظاهر بيبرس إلى بيوتهم وهو طريد مشرد، ولم يكن قد بقي معه سوى فرس واحدٍ يعول عليه، فسأل علي بن حديثة فرسًا يركبه، فلم يعطه شيئًا. وكان ذلك بمحضر من عيسى بن مهنا، فأخذه عيسى، وضمه إليه وآواه، وأكرمه، وقراه، وخيره في رباط خيله، فاختار منها فرسًا، فأعطاه ذلك الفرس، وزوّده، وبالغ في الإحسان إليه، فعرفها له الظاهر. فلما تملك انتزع الإمرة من أبي بكر بن علي وجعلها لعيسى بن مهنا، وأتاه محمد بن طاهر بن غنام، وساله أن يشركه في الأمرة، فأرضاه أن يعطيه أمرةً ببوق وعلم. وبقي أبو بكر بن علي شريدًا طريدًا، تارةً بنجد وتارةً بأطراف الشام إلى أن مات. وآمنه الملك الظاهر غير مرة، وحلف له، فما وثق به، ولا اطمأنّ. ثم إن درجة عيسى بن مهنا علت عند الملك الظاهر ولم يزل معظمًا إلى أن مات. ثم إن الإمرة صارت لولده الأمير حسام الدين مهنا بن عيسى في أيام الملك المنصور قلاوون، وعلت مكانته في أيام المنصور أكثر من مكانة أبيه.

حكى لي شيخنا شهاب الدين أبو الثناء محمود (٣). قال: حضرت طرنطاي


(١) قارن عن هذا الفصل المقدمة ص ٢٧. بعض النص باختلاف في الصبح ٤/ ٢٠٣، ٢٠٥ - ٢٠٦.
(٢) انظر: الاشتقاق ٣٨٧
(٣) محمود بن عبد الرحمن بن أحمد بن محمد بن أبي بكر بن علي، العلامة شمس الدين، أبو الثناء الاصبهاني، ينتسب إلى علاء الدولة الهمذاني، ولد باصبهان في شعبان سنة ٦٧٤ هـ واشتغل في بلاده ومهر وتقدم في الفنون وقرأ على والده وعلى جمال الدين ابن أبي الرجاء وغيرهما. ثم حج في سنة ٧٢٤ وقدم دمشق بعد زيارة القدس في صفر سنة ٧٢٥ ولازم الجامع الأموي ليلا ونهارًا مكبًا على التلاوة وشغل الطلبة ودرس بعد الزملكاني بالرواحية وفي يوم الاجلاس بالغ الفضلاء =

<<  <  ج: ص:  >  >>