النَّقَاءُ بَيْنَ الدَّمَيْنِ طُهْرًا، بَلْ لَوْ صَامَتْ فِيهِ فَرْضًا لَمْ يَصِحَّ، وَلَزِمَهَا قَضَاؤُهُ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهَا فِيهِ صَلَاةٌ، وَلَا يَأْتِيهَا زَوْجُهَا، فَيَكُونُ الدَّمَانِ وَمَا بَيْنَهُمَا حَيْضًا.
وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الدَّمَ يَسِيلُ تَارَةً وَيَنْقَطِعُ أُخْرَى؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ الْحَيْضِ لَمْ يُحْتَسَبْ مِنْ مُدَّتِهِ، وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة: ٢٢٢]. وَصَفَ الْحَيْضَ بِكَوْنِهِ أَذًى، فَإِذَا ذَهَبَ الْأَذَى وَجَبَ أَنْ يَزُولَ الْحَيْضُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَمَّا مَا رَأَتْ الدَّمَ الْبَحْرَانِيَّ فَإِنَّهَا لَا تُصَلِّي، وَإِذَا رَأَتْ الطُّهْرَ سَاعَةً فَلْتَغْتَسِلْ. وَقَالَتْ عَائِشَةُ: لَا تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ الْقُصَّةَ الْبَيْضَاءَ؛ وَلِأَنَّهَا صَامَتْ وَهِيَ طَاهِرٌ، فَلَمْ يَلْزَمْهَا الْقَضَاءُ، كَمَا لَوْ لَمْ يَعُدْ الدَّمُ.
فَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إنَّ الدَّمَ يَجْرِي تَارَةً وَيَنْقَطِعُ أُخْرَى. قُلْنَا؛ لَا عِبْرَةَ بِالِانْقِطَاعِ الْيَسِيرِ، وَإِنَّمَا إذَا وُجِدَ انْقِطَاعٌ كَبِيرٌ يُمْكِنُ فِيهِ الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ، وَتَتَأَدَّى الْعِبَادَةُ فِيهِ، وَجَبَتْ عَلَيْهَا؛ لِعَدَمِ الْمَانِعِ مِنْ وَجُوبِهَا.
فَصْلٌ: الْفَصْلُ الثَّانِي، إذَا عَاوَدَهَا الدَّمُ، فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يُعَاوِدَهَا فِي الْعَادَةِ، أَوْ بَعْدَهَا، فَإِنْ عَاوَدَهَا فِي الْعَادَةِ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا، أَنَّهُ مِنْ حَيْضِهَا؛ لِأَنَّهُ صَادَفَ زَمَنَ الْعَادَةِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَنْقَطِعْ، وَهَذَا مَذْهَبُ الثَّوْرِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَالشَّافِعِيِّ.
وَالثَّانِيَةُ، لَيْسَ بِحَيْضٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَاخْتِيَارُ ابْنِ أَبِي مُوسَى، وَمَذْهَبُ عَطَاءٍ؛ لِأَنَّهُ عَادَ بَعْدَ طُهْرٍ صَحِيحٍ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ عَادَ بَعْدَ الْعَادَةِ. وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ يَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ مَا لَوْ عَادَ بَعْدَ الْعَادَةِ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ فِيمَا بَعْدُ، إنْ شَاءَ
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://mail.shamela.ws/page/contribute