والثاني: قول أبو حنيفة، واحتجوا عليه بعموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُم ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾، وبقوله ﷺ لهلال بن أمية:"البينة أوحد في ظهرك"، وبقوله له:"عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة "، وهذا قاله لهلال بن أمية قبل شروعه في اللعان. فلو لم يجب الحد بقذفه، لم يكن لهذا معنى، وبأنَّه قذف حرة عفيفة يجرى بينه وبينها القود، فحد بقذفها كالأجنبي، وبأنَّه لو لاعنها، ثم أكذب نفسه بعد لعنها، لوجب عليه الحد، فدل على أنَّ قذفه سبب لوجوب الحد عليه، وله إسقاطه باللعان، إذ لو لم يكن سبباً لما وجب بإكذابه نفسه بعد اللعان، وأبو حنيفة يقول: قذفه لها دعوى توجب أحد أمرين، إمَّا لعانه، وإمَّا إقرارها، فإذا لم يلاعن، حبس حتى يلاعن، إلَّا أن تقر فيزول موجب الدعوى، وهذا بخلاف قذف الأجنبي، فإنَّه لا حق له عند المقذوفة، فكان قاذفاً محضاً، والجمهور يقولون: بل قذفه جناية منه على عرضها، فكان موجبها الحد كقذف الأجنبي، ولما كان فيها شائبة الدعوى عليها بإتلافها لحقه وخيانتها فيه، ملك إسقاط ما يوجبه القذف من الحد بلعانه، فإذا لم يلاعن