إِلَى أَنْ قَالَ ﵀(٥/ ٣٧٣ - ٣٧٤): «قالوا: وأمَّا قولكم: إنَّ العذاب المدرأ عنها بلعانها هو عذاب الحبس أو غيره، فجوابه: أنَّ العذاب المذكور، إمَّا عذاب الدنيا، أو عذاب الآخرة، وحمل الآية على عذاب الآخرة باطل قطعاً، فإنَّ لعانها لا يدرؤه إذا وجب عليها، وإنَّما هو عذاب الدنيا وهو الحد قطعاً فإنَّه عذاب المحدود، وهو فداء له من عذاب الآخرة، ولهذا شرعه سبحانه طهرة وفدية من ذلك العذاب، كيف وقد صرح به في أول السورة بقَوْلِهِ: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، ثم أعاده بعينه بقَوْلِهِ: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾، فهذا هو العذاب المشهود مكنها من دفعه بلعانها، فأين هنا عذاب غيره حتي تفسر الآية به؟ وإذا تبين هذا، فهذا هو القول الصحيح الذي لا نعتقد سواه، ولا نرتضي إلَّا إياه، وبالله التوفيق.
فإن قيل: فلو نكل الزوج عن اللعان بعد قذفه، فما حكم نكوله؟ قلنا: يحد حد القذف عند جمهور العلماء من السلف والخلف، وهو قول الشافعي ومالك وأحمد وأصحابهم، وخالف في ذلك أبو حنيفة وقال: يحبس حتى يلاعن، أو تقر الزوجة، وهذا الخلاف مبنى على أن موجب قذف الزوج لامرأته هل هو الحد، كقذف الأجنبي، وله إسقاطه باللعان، أو موجبه اللعان نفسه؟