للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث / الرقم المسلسل:

العدل والحكمة، والرحمة والمصلحة. وما كان هكذا فإنَّ الشارع لا يحرمه ولا ينهى عنه، لعموم مصلحته وشدة الحاجة إليه، كما في المضاربة والمساقاة، بل الحاجة في المزارعة آكد منها في المضاربة، لشدة الحاجة إلى الزرع إذ هو القوت والأرض لا ينتفع بها إلَّا بالعمل عليها بخلاف المال. فإن قيل: فالشارع نهى عنها، مع هذه المنفعة التي فيها، ولهذا قال رافع: "نهانا رسول الله عن أمر كان لنا نافعاً"؟. فالجواب: أنَّ الشارع لا ينهى عن المنافع والمصالح، وإنَّما ينهى عن المفاسد والمضار وهم ظنوا أن قد كان لهم في ذلك المنهي عنه منفعة، وإنَّما كان فيه عليهم مضرة ومفسدة مقتضية للنهي، وما تخيلوه من المنفعة فهي منفعة جزئية لرب الأرض لاختصاصه بخيار الزرع وما يسعد منه بالماء وما على أقبال الجداول، فهذا - وإن كان فيه منفعة له - فهو مضرة على المزارع، فهو من جنس منفعة المرابي بما يأخذه من الزيادة، وإن كان مضرة على الآخر. والشارع لا يبيح منفعة هذا بمضرة أخيه، فجواب رافع: أنَّ هذا وإن كان منفعة لكم فهو مضرة على إخوانكم فلهذا نهاكم عنه. وأمَّا المزارعة العادلة التي يستوي فيها العامل ورب الأرض فهي منفعة لهما، ولا مضرة فيها على أحد، فلم ينه عنها، فالذي نهى عنه مشتمل على مضرة ومفسدة راجحة في ضمنها منفعة مرجوحة جزئية، والذي فعله وأصحابه من هذه مصلحة ومنفعة راجحة، لا مضرة فيها على واحد منهما، فالتسوية بين هذا وهذا تسوية بين متباينين لا يستويان عند الله ولا عند رسوله ولا عند الناس. وكذلك الجواب عن

<<  <  ج: ص:  >  >>