وقال مرة ثانية: «ولازمته طويلا وكان لا يترك قيام الليل، وإذا صلى الصبح ذكر الله في مجلسه حتى تطلع الشمس ويصلي الضحى، ولم أر في مشايخي أحسن صلاة منه (٢) وكانت مدة ملازمته له نحو عشر سنوات من آخر حياته كما سيأتي».
أما ولد العراقي ولي الدين الذي تقدم أنه لازم والده فوق الأربعين سنة حتى وفاته فقد وصفه بحسن المقصد وامتثال أمر النبي ﷺ بجد وتصديق وحسن نية.
ومن هذا يتضح لنا الإتفاق بين أكثر من واحد من الملازمين والمعاصرين له على صلاحه وورعه وسلامة صدره وضميره من الغش والحقد واقتصاره بعيدا عن الفتن والصراعات المذهبية التي سادت عصره كما أشرنا مع شجاعته في قول الحق دون أن تأخذه في ذلك لومة لائم، وحنكته التي تجمع بين الشدة واللين، وتضع كلا منهما موضعه، وإقرار شهود العيان بالتزامه بكتاب الله وسنة رسوله قولا وعملا التزاما قائما على الجد واليقين، خاليا من التكلف والتظاهر، بل هو كالمألوف له، مما يجعل من يراه يتملكه الإحساس بأنه أمام رجل صالح، ومن يعاشره يتأكد له مشيه على طريق السلف الصالح، ومن هذه المظاهر العديدة يمكننا الاستدلال على أنه كان في الجملة سلفي العقيدة، تابعا لأهل السنة والجماعة مجانبا لغيرهم من أهل البدع والإلحاد.
(١) (المجمع المؤسس) لابن حجر ص ١٧٨. (٢) «ذيل الدرر الكامنة» له ص ٧٠ و (الأعلام) جـ ٤/ ورقة ٢١٩ ب و (طبقات الشافعية) ورقة ١١١ أ كلاهما لابن قاضي شهبة و «بهجة الناظرين» للغزي ص ١٣١ و (البدر الطالع) للشوكاني جـ ١/ ٣٥٥.