وليس من الحكمة تمكين الإنسان من الانتقام من أهله، وإشعال نار الحسد والعداوة بينهم، وتوديعهم بهذا التصرف المنحاز، الذي منع الرسول ﷺ من سلوكه حال حياته، وصحته وقدرته على تدارك الأمر، حتى رد عطية والد النعمان لبعض ولده دون بعض، وأبى أن يشهد على ذلك، وقال له: أشهد على ذلك غيري، فإني لا أشهد على جور (١) -اعدلوا بين أولادكم- إن القول بأن الحكمة من الوصية تمكين الناس من تحقيق مصالحهم التي قد تكون في الإحسان إلى من يراه الموصي أهلا لإحسانه، وحرمان من يراه أهلا لمعاقبته قول يجانب الصواب، وتفوح منه روح الأنانية، وحب الذات، والتمسك بالمال حتى آخر لحظة من الحياة.
ويضاف إلى ذلك أن الوصية التي تقوم على أساس المكافأة ورد الجميل، والرغبة في معاقبة من يريد، هي وصية بعيدة عن الوصية الشرعية التي جاء بها الإسلام، وهي التي تكون للتقرب إلى الله بالمال لزيادة العمل والأجر، وأما الوصية المكافئة فلا يراد بها وجه الله ولا يتحقق فيها الإخلاص، والله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا لوجهه.
فرع:
وأجابوا عن حديث:" لا وصية لوارث " بأنه خبر آحاد، لا يفيد إلا الظن، ولا يصح أن يكون ناسخا للآية الكريمة التي تفيد القطع.
وتأولوه على أن معناه لا وصية لوارث في الثلثين، بمعنى أنه يجوز له أن يوصي له في الثلث، ولا يوصي له في الثلثين الباقيين الزائدين على الثلث (٢).
(١) سبق تخريجه برقم (١٨٧). (٢) أحكام الأوقاف والوصايا في الشريعة الإسلامية ص ١٣٨ وما بعدها، الوصايا والتنزيل ص ٢٧٨.