الوجه الأول: عدم التسليم بأن النَّهيَ عن الغضب دليلٌ على مؤاخذة صاحبه، وإنما لاعتبار الغضَب جماع الشَّر؛ إذ أنه للأخلاق بمنزلة القلب للجَسَد، فاستُحبَّ التَّحرُّزُ منه.
الوجه الثاني: لو سُلِّم جَدَلاً بمؤاخذة العبدِ على غَضَبِهِ، فإنَّ هذا خاصٌّ بالغَضَبِ المُتَّفقِ على مؤاخذة صاحبِهِ عليه.
٧ - ما رواه مسلم من حديث عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت قال: خرجت أنا وأبي نطلب العلم في هذا الحي من الأنصار قبل أن يهلكوا، فكان أول من لقينا أبا اليسر صاحب رسول الله ﷺ .. وفيه عن جابر ﵄، عن النبي ﷺ أنه قال:" .. لا تدعوا على أولادِكم، ولا تدعوا على أموالِكم، ولا تدعوا على خَدَمِكم، لا توافقوا من الله ساعةً لا يُسأل فيها شيئاً إلا أعطاه"(١).
(١٤٢) ٨ - ما رواه مسلم من طريق أبي المهلب، عن عمران بن حصين ﵁ قال: بينما رسول الله ﷺ في بعض أسفاره وامرأة من الأنصار على ناقة فضجرت فلعنتها، فسمع ذلك رسولُ اللهِ ﷺ فقال:"خذوا ما عليها ودَعوها فإنها ملعونة ". قال عمران: فكأني أراها الآن تمشي في الناس ما يعرض لها أحد (٢).
وجه الدلالة من الدليلين: أنَّ نهيَ النبي ﷺ عن الدعاء في الحديث الأول، وهجرِهِ للناقة الملعونة دليلٌ على إصابة الدُّعاءِ وقتَ الغَضَب؛ إذ إنَّ الدُّعاءَ لا يصدُرُ في الغالب إلا في حالةِ الغَضَبِ، فإذا أوخذ الغضبان على دعائه حُوسِبَ على أقواله (٣).
(١) تقدم تخريجه برقم (١٣٢). (٢) صحيح مسلم - كتاب البر والصلة/ باب النهى عن لعن الدواب وغيرها (٢٥٩٥). (٣) ينظر: الجامعُ لأحكام القرآن للقرطبي (٨/ ٢٨٦)، الفواكه العديدة في المسائل المفيدة (٢/ ٥٣).