دمشق إلى البيرة، فلا ترى إلا قوافل حاملة، وركائب موسقة راحلة (١)، ويبدو أن دمشق قد ضاقت بما فرض عليها منها، فتلكأت بعض التلكؤ في إرسال بعضها، فكتب الظاهر بيبرس إلى نائبه فيها جمال الدين النجيبي يحثه على إرسالها، ويوبخه على تأخره، وكان قد تساهل مع أهل دمشق، فحين جاءه كتاب الظاهر بيبرس تخلى عن تساهله، وعزم عزمة الرجال، وحمل ما ملأ الأرض من الغلال على حد تعبير ابن عبد الظاهر المؤرخ (٢)، ويبدو أن دمشق قد عانت من نقص غلالها، وقد مس ذلك فلاحي دمشق، وأبو شامة واحد منهم، فهل كان لأبي شامة موقف من هذه الأعباء التي أثقلت كاهل دمشق؟ وهل رأى أن من الغبن أن تتحمل دمشق وحدها إطعام البيرة لمدة تكفيها عشر سنين؟ وهل رأى أن ما غنمه السلطان في أرسوف من غلال - وقد أباحه للناس - كان يمكن أن يفي ببعض حاجتها، ويخفف بعض العبء عن دمشق؟
أسئلة كثيرة تثأر، ولا جواب عنها، ولعلنا نستشف ضيق أبي شامة مما جرى ويجري من خلال إيراده خبر فتح أرسوف في «مذيله»، فهو لم يذكر فيه اسم السلطان الظاهر كما فعل بخبر فتح قيسارية، بل إنه أغفله إغفالا تاما، وكأنه يتجاهله، ونسب النصر فيه للمسلمين عامة، فقال:«وفي ثالث عشر رجب جاءنا الخبر باستيلاء المسلمين على مدينة أرسوف عنوة، وقتل من كان بها من الفرنج، وأسرهم، واغتنام أموالهم، وضربت البشائر بذلك»(٣).
ويرحل السلطان عن أرسوف بعد استكمال هدمها في يوم الاثنين (٢٣) رجب سنة (٦٦٣ هـ/ ١٢٦٥ م) إلى مصر، فيدخل القاهرة يوم الخميس (١١) شعبان سنة (٦٦٣ هـ/ ١٢٦٥ م)، والأسرى بين يديه (٤).