للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وكان أبو شامة يزداد غما إلى غم، وهو يرى ما يحل بدمشق من إهانة وأذى لم تشهده طوال تاريخها، فبعد نحو ثمانية أيام من محنته، ها هي دمشق تتعرض لمحنة أشد، ففي يوم (٢٢) رمضان سنة (٦٥٨ هـ/ ١٢٦٠ م) يدخل نصارى دمشق من باب توما، رافعين الفرمان الذي جاؤوا به من هولاكو، وفيه اعتناء بهم، وتوصية بحقهم، وصلبانهم مرتفعة، وهم ينادون حولها بارتفاع دينهم، واتضاع دين الإسلام، ويرشون الخمور على الناس بأبواب المساجد، وقد عبروا من باب توما قاصدين درب الحجر، ووقفوا عند رباط الشيخ أبي البيان، ونادوا بشعارهم، ورشوا الخمور على باب الرباط، وفعلوا مثل ذلك على باب مسجد الحجر الصغير، والمسجد الكبير، بل إنهم ألزموا الناس في دكاكينهم بالقيام للصليب، ومن لم يفعل ذلك أخرقوا به، وأهانوه، وأقاموه غصبا.

وشقوا بالفرمان المرفوع السوق إلى عند القنطرة آخر سويقة كنيسة مريم، وقام بعضهم على الدكان الوسطى من الصف الغربي بين القناطر، وخطب وفضل دين النصارى، ووضع دين الإسلام، ثم عطفوا من خلف السوق راجعين إلى الكنيسة (١).

ولعلهم حسبوا أن غلبة التتار هي نهاية الفتح الإسلامي لهذه البلاد منذ نحو ستة قرون (٢).

وبادر المسلمون مع قضاتهم وشهودهم في صباح اليوم التالي إلى قلعة دمشق، شاكين إلى نائب التتار إيل سبان ما حل بهم من إهانة وأذى، فما كان منه إلا أن أهانهم وطردهم من القلعة شر طردة مطلقا جنوده وراءهم ينهالون عليهم ضربا،


(١) «المذيل»: ٢/ ١٥١.
(٢) انظر «ذيل مرآة الزمان»: ٢/ ٢٣٨.

<<  <   >  >>