وعاش الناس يتقلبون من جديد تحت كوابيس القاضي رفيع الدين الجيلي، وقد تسمى هذه المرة بصدر الدين!
* * *
وفي غمرة انشغال دمشق بأخبار قاضيها الجديد يتوفى فجأة ابن أبي شامة محمد، غرسه الذي كان يتعاهده ويرعاه، متنقلا به بين مجالس السماع وحلقات العلم، وتموت بموته أحلام أبي شامة في أن يرى ابنه ذات يوم عالما كبيرا، ذا أسانيد عالية، يرحل إليه، ولنا أن نتخيل الوالد المفجوع، وقد مدد جسد ابنه الصغير على مغتسله، ودموعه تتقاطر على خديه حزنا ورحمة، بينما كان يباشر تغسيله وتكفينه، ويتذكر في تلك اللحظة ساعة ولادته، وكيف كان هو قابله (١)، وبألم بالغ يكتب من بعد في تاريخه خبر موت ابنه، متعمدا إبهام تاريخ وفاته، وكأنه لا يقوى على تذكره، فيقول: «وفي يوم الجمعة آخر جمعة في الشهر (٢) توفي ولدي أبو الحرم محمد - جمعني الله وإياه في الجنة - ودفنته عند أمه بمقبرة ابن زويزان المجاورة لمقبرة الصوفية، على حافة الطريق إليها - رحمهما الله وإيانا وأنا كنت قابله وغاسله، وبلغ من العمر ثماني سنين ونصفا، وسمع من كتب الحديث وأجزائه ومن سائر العلوم شيئا كثيرا على جملة من المشايخ نحو مئة وأربعين شيخا (٣).
وشتان ما بين يومي ولادته ووفاته! ..
ويبدو أن أبا شامة كان قد تزوج قبل نحو سنة (٦٤٢ هـ/ ١٢٤٤ م) من امرأة، ثم لأمر ما طلقها، وهي حامل، فأبقاها في داره، لتعتد فيه ريثما تلد، وأجرى النفقة عليها، وقد ولدت له من بعد بنتا سماها زينب، توفيت بعد وفاة ابنه محمد
(١) انظر ص ٩٥ من هذا الكتاب. (٢) يعني في (٢٦) جمادى الأولى سنة (٦٤٣ هـ/ ١٢٤٥ م). (٣) «المذيل»: ٢/ ٧١.