وكان سبب هذه النصرة التي حصلت للأمير أقبردي، أنه لما تلاقى مع العسكر هناك اتقع معهم، فانكسر أقبردي، ودخل إلى خان يونس، فحاصروه وهو في الخان، وأحرقوا باب الخان، فطلب منهم الأمير أقبردي الأمان، فبينما هم على ذلك، فأدرك الأمير أقبردي الأمير أقباي نائب غزة، والأمير أينال باي نائب طرابلس، وشيخ العرب إبراهيم بن نبيعه، فاتقعوا مع الأشرف قانصوه خمسمائة هناك وقعة قوية، ودخل عليهم الليل فانكسر الأشرف قانصوه، وقتل فيها من قتل، وأسر من أسر، وكانت النصرة هناك للأمير أقبردي على قانصوه خمسمائة، وهذه رابع كسرة وقعت للأشرف قانصوه خمسمائة، كما تقدم من أخباره، فكان كما قال القائل في المعنى:[٢٤٨/ ١]
والنفس لا تنتهى عن نيل مرتبة … حتى تروم التي من دونها العطب (١)
فلما كان يوم الخميس رابع رجب أرسل الأمير أقبردي رؤوس من قتل في هذه المعركة، وهم رأس الأمير ماماي، ورأس الأمير فيروز الزمام، وجماعة كثيرة من الأمراء العشراوات، والعسكر، فكانوا نحو أربعة وثلاثين رأسا، وزعموا أن رأس الأشرف قانصوه خمسمائة معهم، فشك الناس في ذلك، وأنكروه واستمروا إلى الآن في إنكارهم لذلك، والله أعلم؛ ثم إنهم طافوا بتلك الرؤوس على أرماح، وكان يوم دخولهم إلى القاهرة يوما مشهودا ودقت البشائر ثلاثة أيام، ثم علقوهم على باب زويلة، وباب النصر.
فلما انقضى ذلك أرسل السلطان الملك الناصر خلف الأمير أقبردي بأن يحضر إلى القاهرة، فلما وصل إلى الخطارة (٢)، أرسل إليه الملك الناصر بقتل من كان معه من الأمراء الذي (٣) أسروا هناك، فقتل الأمير قانصوه الألفي، والأمير كسباي، والأمير يشبك قمر، والأمير أسنباي المبشر، وجماعة كثيرة من الأمراء الأربعين والعشراوات ما يحضرني أسمائهم الآن، فكانوا كما قيل في المعنى:
ومثلما تفعل شاة الحمي (٤) … في قرض يفعل (٥) في جلدها (٦)
فلما كان يوم الأحد رابع عشر رجب من السنة المذكورة فيه دخل الأمير أقبردي إلى القاهرة، وزينت له، وكان يوم دخوله يوما مشهودا، ودخل بطلب
(١) بحر البسيط. (٢) وهي من النواحي القديمة، بمركز فاقوس بمحافظة الشرقية (القاموس الجغرافي (١/ ٢/ ١١٢). (٣) كذا في الأصل، والصواب "الذين". (٤) في جواهر السلوك ٣٨٦: "الحماه". (٥) في جواهر السلوك ٣٨٦: "مرض يعمل". (٦) بحر السريع؛ لم يرد في بدائع الزهور.