حَسِيبًا (١٤)﴾ [الإسراء: ١٤]، في نظائر لذلك في القرآن كثيرة، يغني ما ذكرناه منها عن ذكر بقيتها، فعاد معنى ما في هذا الحديث إلى ما في الحديث الأول، وليس في واحد منهما ما قد دل على أن الذي كان يمليه رسول الله ﷺ على ذلك الرجل فيكتب ذلك الرجل خلافه مما معناه معنى القرآن في واحد من ذينك الحديثين من القرآن، والله ﷺ نسأله التوفيق".
قلت: كلام الطحاوي محتمل، لكن ثبت أن الرجل كان من بني النجار؛ كما في رواية سليمان بن المغيرة عند مسلم، ولا يمنع أن يكون قد تنصر قبلُ، والله أعلم.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في الصارم المسلول (١٢٣): "والأحاديث في ذلك منتشرة تدل على أن من الحروف السبعة التي نزل عليها القرآن أن تختم الآية الواحدة بعدة أسماء من أسماء الله على سبيل البدل، يخير القارئ في القراءة بأيها شاء، وكان النبي ﷺ يخيره أن يكتب ما شاء من تلك الحروف، وربما قرأها النبي ﷺ بحرف من الحروف، فيقول له: أو أكتب كذا وكذا، لكثرة ما سمع النبي ﷺ يخير بين الحرفين، فيقول له النبي ﷺ: نعم كلاهما سواء؛ لأن الآية نزلت بالحرفين، وربما كتب هو أحد الحرفين، ثم قرأه على النبي ﷺ فأقره عليه؛ لأنه قد نزل كذلك أيضًا، وختم الآي بمثل ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٨١)﴾ و ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦)﴾ و ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)﴾ أو بمثل ﴿سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٦١)﴾ أو ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦)﴾ " أو ﴿عَلِيمٌ حَلِيمٌ (١٢)﴾ كثير في القرآن، وكان نزول الآية على عدة من هذه الحروف أمرًا معتادًا، ثم إن الله نسخ بعض تلك الحروف، لما كان جبريل يعارض النبي ﷺ بالقرآن في كل رمضان، وكانت العرضة الأخيرة هي حرف زيد بن ثابت، الذي يقرأ الناس به اليوم، وهو الذي جمع عثمان والصحابة ﵃ أجمعين عليه الناس".
قلت: الحاصل: أن هذه الواقعة من دلائل نبوته ﷺ، وأن الله تعالى تولى الدفاع عن نبيه ﷺ، والذب عنه، وعن أمانته في تبليغ كتابه سبحانه، وبيان كذب دعوى هذا الأفاك الأثيم، حين قال: أنا أعلم بمحمد، أن كنت لأكتب كيف شئت، فإنه لم يكن يكتب ما يشاء هو، وإنما كان يكتب ما أذن الله في كتابته مما أنزله على رسوله ﷺ من الأحرف السبعة، كما أن تأويل الطحاوي محتمل للصواب أيضًا، والله أعلم.
* وقبل الشروع في تفسير الأحرف السبعة، أحب أن ألخص ما صح من أحاديث الباب، ورواياته، حسب ورودها على ترتيبها في البحث، مما يعين على فهم الأحرف السبعة:
١ - الزهري، عن عروة بن الزبير، عن المسور بن مخرمة، وعبد الرحمن بن عبدٍ القاري، أنهما سمعا عمر بن الخطاب، يقول: مررت بهشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله ﷺ، فاستمعت قراءته، فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله ﷺ، فكدت أن أساوره في الصلاة، فنظرته حتى سلم [وفي رواية عقيل ويونس: فتصبرت حتى سلم]؛ فلما سلم لبَّبته بردائه، فقلت: من أقرأك هذه السورة التي أسمعك تقرؤها؟ قال: أقرأنيها رسول الله ﷺ، قال: قلت له: كذبت، فوالله إن