الثاني: أن الدعاء فيه ليس دعاءً راتبًا، بل يدعو في كل قنوت بالذي يناسبه، كما دعا النَّبِيّ ﷺ أولًا وثانيًا، وكما دعا عمر وعلي ﵁ لما حارب من حاربه في الفتنة، فقنت ودعا بدعاء يناسب مقصوده، وألذي يبين هذا أنه لو كان النَّبِيّ ﷺ يقنت دائمًا، ويدعو بدعاء راتب، لكان المسلمون ينقلون هذا عن نبيهم، فإن هذا من الأمور التي تتوفر الهمم والدواعي على نقلها، وهم الذين نقلوا عنه في قنوته ما لم يداوم عليه، وليس بسنة راتبة، كدعائه على الذين قتلوا أصحابه، ودعائه للمستضعفين من أصحابه، ونقلوا قنوت عمر وعلي على من كانوا يحاربونهم.
فكيف يكون النَّبِيّ ﷺ يقنت دائمًا في الفجر أو غيرها، ويدعو بدعاء راتب، ولم ينقل هذا عن النَّبِيّ ﷺ لا في خبر صحيح، ولا ضعيف؟، بل أصحاب النَّبِيّ ﷺ الذين هم أعلم الناس بسنته، وأرغب الناس في اتباعها، كابن عمر وغيره أنكروا، حتى قال ابن عمر: ما رأينا ولا سمعنا، وفي رواية: أرأيتكم قيامكم هذا: تدعون، ما رأينا ولا سمعنا، أفيقول مسلم: إن النَّبِيّ ﷺ كان يقنت دائمًا؛ وابن عمر يقول: ما رأينا ولا سمعنا، وكذلك غير ابن عمر من الصحابة، عدوا ذلك من الأحداث المبتدعة.
ومن تدبر هذه الأحاديث في هذا الباب علم علمًا يقينيًا قطعيًا أن النَّبِيّ ﷺ لم يكن يقنت دائمًا في شيء من الصلوات، كما يعلم علمًا يقينيًا أنه لم يكن يداوم على القنوت في الظهر والعشاء والمغرب، … "، وذكر كلامًا نحوًا مما تقدم [مجموع الفتاوى (٢٣/ ١٠٨)].
ويحسن هنا إيراد بعض كلام ابن القيم في زاد المعاد (١/ ٢٧١ - ٢٨٥) في بيان هديه ﷺ في القنوت، وفي الرد على من زعم أن النَّبِيّ ﷺ داوم على القنوت في الفجر حتى فارق الدنيا، إذ يقول: "وقنت في الفجر بعد الركوع شهرًا، ثم ترك القنوت، ولم يكن من هديه القنوت فيها دائمًا، ومن المحال أن رسول الله ﷺ كان في كل غداة بعد اعتداله من الركوع يقول:"اللَّهُمَّ اهدني فيمن هديت، وتولني فيمن توليت … " إلخ، ويرفع بذلك صوته، ويؤمن عليه أصحابه، دائمًا إلى أن فارق الدنيا، ثم لا يكون ذلك معلومًا عند الأمة، بل يضيعه أكثر أمته، وجمهور أصحابه بل كلهم، حتى يقول من يقول منهم: إنه محدث، كما قال سعد بن طارق الأشجعي … ".
إلى أن قال: "ومن المعلوم بالضرورة: أن رسول اللّه ﷺ لو كان يقنت كل غداة، ويدعو بهذا الدعاء، ويؤمن الصحابة؛ لكان نقل الأمة لذلك كلهم كنقلهم لجهره بالقراءة فيها وعددها ووقتها، وإن جاز عليهم تضييع أمر القنوت منها؛ جاز عليهم تضييع ذلك، ولا فرق، .. وهذا من أمحل المحال، بل لو كان ذلك واقعًا، لكان نقله كنقل عدد الصلوات، وعدد الركعات، والجهر والإخفات، وعدد السجدات، ومواضع الأركان وترتيبها، والله الموفق".
إلى أن قال: "فإنه إنما قنت عند النوازل للدعاء لقوم، وللدعاء على آخرين، ثم تركه