وقال في الرسالة (١١٢): "فلما كانت هذه صلاة النبي ﷺ في مرضه الذي مات فيه قاعدًا، والناسُ خلفه قيامًا: استدللنا على أن أمرَه للناس بالجلوس في سقطته عن الفرس: قبل مرضه الذي مات فيه، فكانت صلاتُه في مرضه الذي مات فيه قاعدًا، والناس خلفه قيامًا: ناسخةً لأن يجلس الناس بجلوس الإمام.
وكان في ذلك دليل بما جاءت به السنة، وأجمع عليه الناس، من أن الصلاة قائمًا إذا أطاقها المصلي، وقاعدًا إذا لم يُطِق، وأن ليس للمطيق القيامَ منفردًا أن يصلي قاعدًا، فكانت سنة النبي ﷺ أنه صلى في مرضه قاعدًا ومن خلفه قيامًا، مع أنها ناسخةٌ لسنته الأولى قبلها، موافقةً سنتَه في الصحيح والمريض وإجماعَ الناس: أن يصلي كل واحد منهما فرضه، كما يصلي المريض خلف الإمام الصحيح قاعدًا والإمام قائمًا.
وهكذا نقول: يصلي الإمام جالسًا، ومن خلفه من الأصحاء قيامًا، فيصلي كل واحد فرضه، ولو وكَّل الإمامُ غيرَه كان حسنًا".
وقال في اختلاف الحديث (٧٥ - ٧٨): "إذا لم يقدر الإمام على القيام فصلى بالناس جالسًا صلى الناس وراءه إذا قدروا على القيام قيامًا، كما يصلي هو قائمًا، ويصلي من خلفه إذا لم يقدروا على القيام جلوسًا، فيصلي كلٌّ فرضَه، وقد روي عن النبي ﵊ فيما قلت شيء منسوخ وناسخ،. . .
[ثم أسند حديث أنس، ثم قال:] وهذا ثابت عن رسول الله ﷺ منسوخ بسنته، وذلك أن أنسًا روى أن النبي ﷺ صلى جالسًا من سقطة من فرس في مرضه، وعائشة تروي ذلك، وأبو هريرة يوافق روايتهما، وأمر من خلفه في هذه العلة بالجلوس إذا صلى جالسًا، ثم تروي عائشة أن النبي ﷺ صلى في مرضه الذي مات فيه جالسًا والناس خلفه قيامًا، قال: وهي آخر صلاة صلاها بالناس حتى لقي الله تعالى، وهذا لا يكون إلا ناسخًا.
[ثم ذكر حديث عائشة من طريق حماد بن سلمة، وحديث الأسود عن عائشة، وحديث عبيد بن عمير، ثم قال:] وفي حديث أصحابنا مثل ما في هذا، وأن ذلك في مرض النبي ﷺ الذي مات فيه، فنحن لم نخالف الأحاديث الأولى إلا بما يجب علينا من أن نصير إلى الناسخ، الأولى كانت حقًّا في وقتها، ثم نسخت فكان الحق فيما نسخها، وهكذا كل منسوخ يكون الحق ما لم ينسخ، فإذا نسخ كان الحق في ناسخه، وقد روي في هذا الصنف شيء يغلط فيه بعض من يذهب إلى الحديث،. . .
[ثم ذكر أثر جابر وأسيد بن حضير، ثم قال:] وفي هذا ما يدل على أن الرجل يعلم الشيء عن رسول الله ﷺ لا يعلم خلافه عن رسول الله ﷺ فيقول بما علم، ثم لا يكون في قوله بما علم وروى حجة على أحد علم أن رسول الله ﷺ قال قولًا أو عمل عملًا ينسخ العمل الذي قال به غيره وعلمه، كما لم يكن في رواية من روى أن النبي ﷺ صلى جالسًا وأمر بالجلوس، وصلى جابر بن عبد الله، وأسيد بن الحضير، وأمرهما بالجلوس، وجلوس من خلفهما: حجة على من علم عن رسول الله ﷺ شيئًا ينسخه، وفي هذا دليل