والأولى في حق القدوة أن يبعد في أقواله وأفعاله عمَّا يحتمل التأويل، فكان الأليق بمنصبه عليه الصلاة والسلام أن يقول لهم: يا أمثال الحمير، أو: يا إخوان الحمير؛ كما قال الله تعالى في حق أحبار بني إسرائيل:{مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا}[الجمعة: ٥] حين أمرهم أن يأخذوا بما فيها فلم يعلموا بها، فقال النَّبي - صلى الله عليه وسلم - لليهود حين أنزل الله تعالى عليه فيهم:{قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ}[المائدة: ٦٠]، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "يَا إِخْوَانَ القِرَدَةِ".
وفيه تورية لطيفة؛ فإنه يصلح أن يُراد به: يا إخوان القردة الممسوخين قردة، وأن يُراد به: يا أمثال القردة كما في قوله تعالى: {إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ}[الإسراء: ٢٧]؛ أي: أمثالهم.
وأما قوله - صلى الله عليه وسلم -: "أَلا أُخْبِرُكُمْ بِالتَّيْسِ المُسْتَعَارِ؟
المُحَلِّلُ" (١)؛ فإنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يخاطب به مخصوصًا معينًا، ولم يصرح فيه بالتمثيل، بل سمَّى المحلل تيسًا مستعارًا على سبيل المبالغة للتنفير من التحليل.
وهذا جائزٌ سائغ -وإن كان النبي - صلى الله عليه وسلم - في مقام التشريع - لأنَّ هذا اللفظ لا يتوهم منه إباحة تسمية كل إنسان تيسًا، بل لا يحتمل إلا