أعظم فرسان الفرنج قد جمع بين الشجاعة وجودة الرأي، وكان نور الدين قد عزم على قصد بلاده، فجمع جوسلين الفرنج وأكثر وسار نحو نور الدين والتقوا فانهزم المسلمون، وأسر منهم جمع كثير، وكان من جملة من أسر منهم السلاح دار، ومعه سلاح نور الدين فأرسله جوسلين إلى مسعود بن قليج أرسلان (١) صاحب قونية وأقصرا، وقال: هذا سلاح زوج ابنتك، وسيأتيك بعده ما هو أعظم منه، فعظم ذلك على نور الدين، وهجر [الملاذ](٢) وأفكر في أمر جوسلين، وجمع التركمان، وبذل لهم الوعود إن ظفروا به إما (١١) بإمساك أو بقتل، فاتفق أن جوسلين طلع إلى الصيد فكبسه التركمان وأمسكوه، فبذل لهم مالا فأجابوا إلى إطلاقه، فسار بعض التركمان إلى أبي بكر بن الداية (٣) نائب نور الدين بحلب، فأرسل عسكرا كبسوا التركمان الذين عندهم جوسلين، وأحضروه إلى نور الدين أسيرا، وكان أسر جوسلين من أعظم الفتوح، وأصيب النصرانية كافة بأسره.
ولما أسر سار نور الدين إلى بلاده وقلاعه وملكها، وهي (٤):
(١): توفي في سنة ٥٥١ هـ/ ١١٥٦ م، وخلفه على ملك قونية ولده قليج أرسلان، ترجمته في: ابن الأثير: الكامل ١١/ ٢١٠، وقليج فيه: قلج، ابن خلدون: تاريخه ٥/ ١٦١ - ١٦٢، وانظر ما يلي، ص ٥٣. (٢): في الأصل: البلاد، والتصحيح من (أبو الفدا ٣/ ٢٣). (٣): هو مجد الدين أبو بكر محمد بن الداية، توفي بحلب في رمضان سنة ٥٦٥ هـ/ ١١٧٠ م، وهو رضيع نور الدين، وكان من أكابر أمرائه، ترجمته في: ابن الأثير: الكامل ١١/ ٣٥٩، سبط ابن الجوزي: مرآة الزمان ج ٨ ق ١/ ٢٨١ - ٢٨٢، أبو شامة: الروضتين ٢/ ١٤١، وانظر ما يلي، ص ٩٤. (٤): وتقع جميعها بنواحي حلب، وقد ذكرها ياقوت في معجمه (انظرها تحت المادة) باستثناء نهر الجوز حيث لم أقع له (لها) على تعريف خاص فيما توفر لدي من المصادر.